كثيرًا ما تخدعنا أعيننا، لكن العلماء اكتشفوا أن بعض أنواع الذكاء الاصطناعي قد تقع ضحيةً لنفس الخداع البصرية. وهذا يغيّر فهمنا لأدمغتنا.
الخدع البصرية والذكاء الاصطناعي
تعد الخدع أخطاءً يرتكبها نظامنا البصري. لكنها تكشف أيضًا عن الاختصارات الذكية التي يستخدمها دماغنا لاستخلاص أهم تفاصيل محيطنا.
في الحقيقة، لا تقبل أدمغتنا إلا لمحة بسيطة من العالم المحيط بنا، وسيكون من الصعب للغاية معالجة كل تفاصيل بيئاتنا البصرية المزدحمة، لذلك فهي بدلًا من ذلك تنتقي فقط التفاصيل التي نحتاجها.
لكن ماذا يحدث عندما نعطي عقلًا اصطناعيًا، أو نظام رؤية آلية مدعوم بالذكاء الاصطناعي؟
تتفوق هذه الأنظمة في دقة التفاصيل، فهي مصممة لاكتشاف الأنماط والعيوب التي لا نراها. ولهذا السبب كانت فعّالة للغاية في رصد العلامات المبكرة للأمراض في الفحوصات الطبية.
الشبكات العصبية للذكاء الاصطناعي
مع ذلك، فإن بعض الشبكات العصبية العميقة “DNNs”، وهي التقنية التي تقوم عليها العديد من خوارزميات الذكاء الاصطناعي المتقدمة اليوم. عرضة لبعض الخدع البصرية نفسها التي نتعرض لها نحن البشر. وهذا يوفر رؤى جديدة حول كيفية عمل أدمغتنا.
من جانبه، يقول إيجي واتانابي. الأستاذ المشارك في علم وظائف الأعصاب بالمعهد الوطني للبيولوجيا الأساسية في اليابان: “إن استخدام الشبكات العصبية العميقة في أبحاث الخداع البصري. يسمح لنا بمحاكاة وتحليل كيفية معالجة الدماغ للمعلومات وتوليد الأوهام البصرية. كما أن إجراء تجارب على الدماغ البشري يثير مخاوف أخلاقية جدية، لكن لا توجد قيود مماثلة تنطبق على النماذج الاصطناعية.
على الرغم من وجود العديد من النظريات حول سبب إدراكنا للأوهام البصرية المختلفة، إلا أنه في معظم الحالات لا يوجد تفسير حاسم حتى الآن.
بينما أظهرت دراسة الأشخاص الذين لا يختبرون الخدع البصرية بعض الدلائل. ففي إحدى الحالات، لم ينخدع شخص فقد بصره في طفولته المبكرة واستعاده في الأربعينيات من عمره بالخدع البصرية المتعلقة بالأشكال.
خدعة ساحة كانيزا الشهيرة
مثل ساحة كانيزا الشهيرة ، حيث تُشكّل أربعة أجزاء دائرية موضوعة بشكل استراتيجي خطوطًا وهمية تُوحي بمربع.
ومع ذلك، كان بإمكانه إدراك خدع الحركة، مثل عمود الحلاقة، حيث تبدو الخطوط وكأنها تتحرك للأعلى رغم أن العمود يدور ببساطة حول محور رأسي.

فيما تشير الدراسات التي تناولت حالات كهذه إلى أن قدرتنا على إدراك الحركة أكثر مقاومة للحرمان الحسي مقارنةً بقدرتنا على فهم الأشكال.
في الوقت نفسه قد يعود ذلك إلى أننا نتعلم معالجة الحركة في مراحل مبكرة من حياتنا كرضع. أو ربما تكون طريقة معالجتنا للأشكال أكثر مرونةً وتهيؤًا للتعرف على الأشكال التي نتعرض لها بكثرة.
لكن قدمت دراسات تصوير الدماغ باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي رؤىً ثاقبة حول أجزاء الدماغ النشطة عند رؤية مختلف الخدع البصرية وكيفية تفاعلها.
رغم ذلك فإن إدراكنا للخدع البصرية أمرٌ شخصي، وقد يختلف بين الأفراد، كما يتضح من صورة فستان مخطط انتشرت على نطاق واسع على الإنترنت عام ٢٠١٥.
حيث اختلف المشاهدون حول ما إذا كان أزرق وأسود أم أبيض وذهبي. هذا يجعل دراستها بموضوعية أمرًا صعبًا، إذ يعتمد الباحثون عادةً على وصف المشاركين لما يرونه.
هل بتوهم الذكاء الاصطناعي الخدع البصرية؟
الآن، يقدم الذكاء الاصطناعي طريقة جديدة لفهم ما يحدث في أدمغتنا عندما ننظر إلى الخدع البصرية.
تعتمد العديد من خوارزميات الذكاء الاصطناعي المستخدمة اليوم. بما في ذلك برامج الدردشة الآلية مثل ChatGPT على الشبكات العصبية العميقة، وهي نماذج تتكون من خلايا عصبية اصطناعية تحاول محاكاة كيفية معالجة دماغنا للمعلومات.
وهم الثعابين الدوارة
في دراسة حديثة ، سعى واتانابي وزملاؤه إلى معرفة ما إذا كان بإمكان شبكة عصبية عميقة محاكاة ما يحدث في أدمغتنا عندما ننظر إلى أوهام بصرية تتضمن الحركة. مثل وهم الثعابين الدوارة. يستخدم هذا الوهم نمطًا غريبًا من الدوائر الملونة في صورة ثابتة، ولكنه يبدو وكأنه يدور عندما نحدق فيه.

بالإضافة إلى أنه واتانابي، وفريقه، استخدم شبكة عصبية عميقة تُسمى PredNet، صُممت بناءً على نظرية رائدة حول كيفية تعامل أدمغتنا مع المعلومات البصرية تعرف بالترميز التنبؤي.
أيضًا تشير هذه النظرية إلى أن نظامنا البصري لا يعالج ببساطة السمات المحيطة بنا عند النظر حولنا. بل يتنبأ أولًا بما يتوقع رؤيته بالاعتماد على الخبرة السابقة قبل معالجة أي اختلافات في المدخلات الواردة من أعيننا. وهذا ما يُتيح لنا الرؤية بسرعة أكبر.
وبالمثل، يتنبأ نظام PredNet بالإطارات المستقبلية في الفيديو بناءً على المعرفة التي يكتسبها من الإطارات السابقة التي شاهدها.
في تجربته، درّب واتانابي الذكاء الاصطناعي باستخدام مقاطع فيديو لمناظر طبيعية تم التقاطها بكاميرات مثبتة على الرأس، وهي مشابهة لما قد يراه الإنسان عند النظر حوله.
لكن لم يتعرض النظام لأي خدع بصرية، ومن خلال عرض إطارات معينة لم يرها من قبل، صمم النظام لجعل تنبؤاته مطابقة للإطار بأكبر قدر ممكن من الدقة.
ثم عرض واتانابي على نموذج الذكاء الاصطناعي عدة نسخ مختلفة من وهم الثعابين الدوارة، إضافة إلى نسخة معدلة لا تنخدع بها أدمغة البشر، فتُدركها على أنها ثابتة.
على سيبل المثال وجد أن الذكاء الاصطناعي انخدع بالصور نفسها التي انخدع بها البشر.
الفرق بين الدماغ البشري والذكاء الاصطناعي
وهنا يعتقد واتانابي أن هذا يدعم نظرية استخدام أدمغتنا للترميز التنبؤي. ففي هذه الحالة، توجد جوانب في الصور تدل على وجود أجسام متحركة، مما يحفز نظام التنبؤ في أدمغتنا على افتراض أن الثعابين متعددة الألوان في حالة حركة.
مع ذلك، وجد واتانابي وفريقه اختلافات بين كيفية إدراك الذكاء الاصطناعي والبشر لهذا الوهم البصري.
فعندما نثبت أنظارنا على إحدى الدوائر الدوارة، على سبيل المثال، يبدو أنها تتوقف عن الدوران بينما تستمر الأقراص الأخرى في مجال رؤيتنا المحيطية بالدوران.
أما شبكة PredNet، فتُدرك دائمًا حركة جميع الدوائر في الوقت نفسه.
عن هذا يقول واتانابي: “يرجع ذلك على الأرجح إلى افتقار شبكة PredNet لآلية الانتباه”. وهذا يعني أنها غير قادرة على التركيز على نقطة محددة في الصورة، بل تعالجها بالكامل.
وأخيرًا، الروبوتات قد تكون قادرة على محاكاة بعض جوانب نظامنا البصري، إلا أنها لا تزال بعيدة كل البعد عن رؤية العالم كما نراه. حتى الآن، لا توجد شبكة عصبية عميقة قادرة على إدراك جميع الأوهام التي يراها البشر.
المصدر: BBC



















