لأكثر من نصف قرن، سعى الباحثون إلى إيجاد طرق لتجاوز السيليكون من خلال بناء الإلكترونيات باستخدام الجزيئات لإنتاج المادة الذكية. فيما بدت الفكرة بسيطة وجذابة، لكن الأجهزة الحقيقية أثبتت أنها معقدة.
المادة الذكية والحوسبة العصبية
عادة لا تتصرف الجزيئات كقطع منفصلة ومنظمة كما في الكتب الدراسية، بل تشكل شبكات متداخلة ومتفاعلة. حيث تتحرك الإلكترونات، وتتغير مواقع الأيونات، وتتغير الأسطح البينية بمرور الوقت.

حتى أن الاختلافات الطفيفة في البنية قد تؤدي إلى سلوك غير خطي بشكل كبير. كان هذا الاحتمال واعدًا، لكن التنبؤ والتحكم بدقة في أداء الجهاز الجزيئي ظلا بعيد المنال.
في الوقت نفسه، سعى الحوسبة العصبية إلى تحقيق هدف مماثل. تهدف الحوسبة العصبية، وهي عبارة عن أجهزة مستوحاة من الدماغ، إلى إيجاد مادة قادرة على:
- تخزين المعلومات.
- إجراء العمليات الحسابية.
- التكيف ضمن نفس المادة الفيزيائية.
كل ذلك في الوقت الفعلي. لكن الأساليب الرائدة اليوم، والتي غالبًا ما تُبنى على مواد أكسيدية وتقنية التبديل الخيطي. لا تزال تعمل كأنظمة مصممة بدقة تحاكي التعلم، بدلاً من كونها مواد تحتوي بطبيعتها على التعلم في سلوكها الفيزيائي.
لكن تشير دراسة جديدة من المعهد الهندي للعلوم “IISc” إلى أن هاتين المشكلتين القديمتين قد تلتقيان عند نفس الحل.
بالتعاون بين الكيمياء والفيزياء والهندسة الكهربائية، ابتكر فريق بقيادة سريتوش غوسوامي، الأستاذ المساعد في مركز علوم وهندسة النانو “CeNSE. أجهزة جزيئية دقيقة قابلة للتعديل لتؤدي أدوارًا مختلفة تمامًا.
فبحسب طريقة تحفيز الجهاز، يمكنه العمل كوحدة ذاكرة، أو بوابة منطقية، أو منتقي، أو معالج تناظري، أو مشبك عصبي إلكتروني.
من جانبه، يقول سريتوش غوسوامي: “من النادر رؤية هذا المستوى من التكيف في المواد الإلكترونية. هنا، يلتقي التصميم الكيميائي بالحوسبة، ليس على سبيل التشبيه، بل كمبدأ عملي.”
في الوقت نفسه تستمد هذه المرونة من الكيمياء المستخدمة في بناء الأجهزة وضبطها. فقد صنع الباحثون 17 مركبًا من الروثينيوم بتصميم دقيق.
رقائق السيليكون
ثم درسوا كيف تؤثر التغيرات الطفيفة في الشكل الجزيئي والبيئة الأيونية المحيطة على سلوك الإلكترونات.
من خلال تعديل الروابط والأيونات المحيطة بجزيئات الروثينيوم، أظهر الفريق أن جهازًا واحدًا يمكنه إظهار أنواع عديدة من الاستجابات الديناميكية. بل يمكنه حتى التحول بين السلوك الرقمي والتناظري. على سبيل المثال، عبر نطاق واسع من قيم التوصيل.
والمدهش في الدارسة هو مدى التنوع الكامن في النظام نفسه. فمع الكيمياء الجزيئية والبيئة المناسبة، يمكن لجهاز واحد تخزين المعلومات، وإجراء العمليات الحسابية عليها. أو حتى التعلم والتخلص من المعلومات القديمة. وهذا أمر غير متوقع في الإلكترونيات الصلبة.”
أخيرًا فإن مرونة هذه المركبات تمكّن من دمج الذاكرة والحساب في المادة نفسها. وهذا يمهّد الطريق نحو أجهزة عصبية الشكل حيث يمكن ترميز التعلّم في المادة ذاتها. ويعمل الفريق حاليًا على وضع هذه المواد على رقائق السيليكون، بهدف بناء أجهزة ذكاء اصطناعي مستقبلية تتسم بكفاءة الطاقة والذكاء الذاتي.
المصدر: scitechdaily



















