في قلب غرب المملكة العربية السعودية، لا تقف المدينة المنورة منارة روحية وتاريخية فحسب، بل كشاهد حي على أزمنة جيولوجية سحيقة، تروي صخورها وجبالها قصة تمتد لأكثر من 540 مليون عام.
وتتربع المدينة على “الدرع العربي”. تلك الكتلة الصخرية العتيقة التي تعود إلى ما قبل العصر الكامبري، لتشكل لوحة طبيعية فريدة أسهمت في رسم ملامح تاريخها وحاضرها. وفقًا لتقرير نشرته وكالة الأنباء السعودية “واس”.
واحة خضراء في حضن الصحراء
على ارتفاع يتراوح بين 600 و640 مترًا فوق سطح البحر، ومحاطة بالمرتفعات من معظم الجهات، تبدو المدينة المنورة كواحة خضراء مزدهرة في بيئة صحراوية قاسية.
ويعود سر هذه الخصوبة إلى تكوينها الجيولوجي المتميز؛ فالجبال الشاهقة التي تحرسها ليست مجرد معالم تضاريسية. بل هي مصدر أساس لإثراء التربة.
فعبر ملايين السنين، أدت عمليات التعرية إلى تفتيت الصخور ونقل الرواسب الغنية بالعناصر الطبيعية عبر الأودية الموسمية، مثل: واديي العقيق وقناة، لتتجمع في حوض المدينة، مكونة تربة خصبة اشتهرت تاريخيًا بزراعة النخيل وتنوع محاصيلها.

جبال المدينة
تحيط بالمدينة المنورة، سلسلة من الجبال الأيقونية، لكل منها هويته الجيولوجية والتاريخية الخاصة التي تروي فصلًا من قصة تكوين المنطقة:
- جبل أحد.. رمز الشموخ والتاريخ: يقع هذا الجبل المهيب شمال المسجد النبوي، ويعد علامة فارقة في المشهد الطبيعي والتاريخ الإسلامي. يتكون جبل أحد، الذي يرتفع إلى 1077 مترًا. بشكل أساس من صخور الريوليت النارية ذات اللون الأحمر الفاتح. هذه الصخور، الغنية بالكوارتز والفلسبار، تعكس تبريدًا بطيئًا للصهارة البركانية في أعماق القشرة الأرضية. مما منحه نسيجه المتبلور الدقيق وقوامه الفريد.
- جبل عير.. شاهد على الماضي البركاني: حيث في جنوب المدينة، يبرز جبل عير كأحد الحدود التاريخية لحرم المدينة المنورة. وتحيط به صخور البازلت الداكنة من معظم الجهات. ما يشير بوضوح إلى نشاط بركاني قديم كان له دور محوري في تشكيل تضاريس المنطقة الجنوبية.
- جبال الجماوات وجبل جمة: وإلى الغرب، تتشكل جبال الجماوات وجبل جمة من صخور الجرانيت والجرانوديوريت.

هذه الصخور النارية الجوفية، التي تصل ارتفاعاتها إلى 965 مترًا، تشكلت من حمم منصهرة تجمدت ببطء في باطن الأرض قبل أن تكشفها عوامل التعرية على السطح. تقف اليوم ككتل صخرية صلبة شاهدة على القوى الهائلة التي شكلت الدرع العربي.
سجل جيولوجي عريق
تزخر أرض المدينة المنورة، بأنواع متعددة من “صخور القاعدة القديمة” التي تعود إلى ما قبل العصر الكامبري. هذه التكوينات، التي تشمل صخورًا نارية حمضية وقاعدية، مثل: الريوليت والداسيت والأنديزيت. تتخللها صخور فتاتية؛ ما يدل على تاريخ حافل بالنشاطات البركانية العنيفة التي تبعتها فترات طويلة من الهدوء والترسيب.
علاوة على ذلك، فإن هذه التشكيلة المتنوعة من الصخور لا تمنح المنطقة جمالها الطبيعي فحسب. بل تجعلها كتابًا مفتوحًا يقرأ فيه الجيولوجيون تاريخ الأرض وتطورها في شبه الجزيرة العربية.

















