أثارت السيارات شغف الكثير من البشر وإلهامهم منذ اختراعها، سواء بتطويرها أو اقتنائها. وما زالت صناعة السيارات تتطور؛ ما يضيف الكثير من التحسينات لخصائصها وأشكالها على مر العصور. وكذلك تختلف باختلاف الوقود المستخدم سواء كان بالغاز أو البنزين أو البطاريات المستخدمة في السيارات الحديثة مؤخرًا. ولكن تعد السيارات ذاتية القيادة هي آخر الصيحات في تطور السيارات والتي سنراها بكثرة في الآونة المقبلة. وسنلقي نظرة على هذه السيارات وخصائصها، وكذلك عيوب ومميزات تلك التكنولوجيا الصاعدة بقوة في الأعوام المقبلة.
السيارات ذاتية القيادة
يطلق مصطلح سيارة ذاتية القيادة على تلك السيارات التي لا تتطلب تدخلًا بشريًا مطلقًا لقيادة السيارة. وفي هذا النوع من السيارات يقوم كومبيوتر ملحق بالسيارة بكل مهام القيادة التي يقوم بها السائق عادة. وتتطلب هذه السيارات وجود حساسات وكاميرات لإدراك الواقع المحيط بالسيارة، ومن ثم اتخاذ القرارات بناءً على المعطيات التي توفرها الحساسات. كما توفر الحساسات معلومات عن حركة المرور والمشاة والسرعة والسيارات المحيطة وتغيير الحارات وما إلى ذلك.
في الواقع فإن السيارات الحديثة يمكنها أن تتمتع بخصائص “روبوتية” بدرجات متفاوتة في بعض الأحيان حسب الشركة المصنعة والموديل. فخصائص مثل تنبيه النقطة العمياء، وهي المنطقة التي تقع خلف السيارة ولا يمكن أن تظهر في مرآة السائق، وتنبيه السرعة الزائدة والفرامل الجبرية في بعض الطرازات عند قرب التصادم تعتبر قيادة ذاتية للسيارة الحديثة.
تصنيفات السيارات الحديثة
صنفت جمعية مهندسي السيارات، وهي منظمة تعمل على تطوير معايير هندسية في صناعة السيارات والطيران، المعايير التي يمكن بها تصنيف السيارات ذاتية القيادة. وبهذ التصنيف تم تقسيم السيارات الحديثة إلى 6 فئات، حيث تتراوح من التحكم الكامل في السيارة بواسطة سائق آدمي إلى مركبة يمكنها العمل بدون أي تدخل بشري على متنها. وحسب هذا التصنيف تمثل المستويات الثلاث الأولي، من صفر إلى 2، يكون السائق خلف عجلة القيادة ويتحكم في السيارة بالفعل، ولكن يتم مساعدته من خلال تحذيرات آلية مختلفة أو ميزات أمان. وتمثل أنظمة مثل تحذير النقطة العمياء والكبح التلقائي في حالات الطوارئ وآليات الاصطفاف أحد تلك الآليات. ويمثل المستويان 3 و 4 السيارات التي تمتلك تكنولوجيا قادرة علي القيادة الذاتية في ظل ظروف معينة، ولكنها قد تتطلب سائقًا بشريًا لتولي القيادة. وأخيرًا، المستوى 5 – تكون فيها السيارة ذاتية القيادة بالكامل، ولا يتطلب تشغيلها لأي إنسان. وهذا هو المستوى الوحيد الذي يمكننا أن نطلق على السيارة “ذاتية القيادة”.

كيف تعمل السيارات ذاتية القيادة
تتمتع تلك السيارات بحساسات ضوئية، كاميرات في المدي المرئي وكاميرات أشعة تحت الحمراء، ورادارات. تقوم الكاميرات بتحديد المركبات وكثافة المرور وإشارات المرور، وكذلك المارة وكشفهم من مديات بعيدة. بينما تقوم الرادارات بالكشف عن السرعات والمسافات البينية بين السيارات. ومن ثم تغذية كل تلك المعلومات الى كومبيوتر ملحق يستخدم برمجيات متطورة وخوارزميات، وكذلك تقنيات التعلم الآلي لإدراك الموقف. ومن ثم إرسال إشارات التحكم إلى محركات السيارة أو الإشارات أو الانعطاف.
كما تستطيع مجموعة أجهزة الاستشعار اكتشاف البيئة المحيطة والمشاة وسمات الطريق والعقبات مثل علامات الحارات والأرصفة. وأيضًا يمكنها اكتشاف راكبي الدراجات أو المركبات الأخرى. ومن الجدير بالذكر أن هذه التقنيات ليست معصومة من الخطأ بنسبة 100%، وقد تتضاءل فعاليتها عندما تغطى أجهزة الاستشعار أو علامات الحارات بالثلوج أو هطول الأمطار الغزيرة.

المستقبل للسيارات ذاتية القيادة
تمتلك السيارات ذاتية القيادة الكثير من المميزات علي سبيل المميزات مثل تقليل ملكية السيارات الخاصة مما يحد من التلوث. وكذلك توفير أماكن الجراجات؛ حيث إن السيارة بمقدورها توصيل المالك من ثم العودة أو نقل مستخدم جديد في حالة سيارات الأجرة. كما أنها تتيح الكثير من الوقت المهدر أثناء التنقل، والذي يمكن استغلاله أما في العمل أو الاستجمام. ويمكن أيضًا أن تقلل من الكثافات المورية عن طريق تقليل الحوادث والأخطاء الناجمة عن رعونة السائقين في الطريق.
وفى هذا الصدد خلصت دراسة أجرتها جامعة ميشيغان إلى أنه: “عندما يتم أخذ المدخرات من كفاءة القيادة المرتبطة بالمركبات ذاتية القيادة في الاعتبار، فإن النتيجة الصافية هي انخفاض في استخدام الطاقة مدى الحياة وانبعاثات الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي بنسبة تصل إلى 9٪ مقارنة بالمركبات التقليدي”.

تحديات السيارات ذاتية القيادة
وتظل فكرة إتاحة السيارات ذاتية القيادة بالكامل على نطاق واسع محفوفة بالتحديات التي تتراوح بين التكلفة ومخاوف السلامة.
غير أن كل التكنولوجيات المتاحة حاليًا لا تضاهي الفكر البشري أو المنطق أو الغرائز لاتخاذ قرارات في جزء من الثانية.
بينما يمثل استبعاد العنصر البشري من المعادلة إزالة عوامل التشتيت أو العواطف التي قد تؤثر على تشغيل السيارة. ولهذا، تعد السيارات ذاتية القيادة بالكامل أكثر أمانًا، وذلك لأن التكنولوجيا مصممة لتشغيل السيارة بأمان ومنطقية من خلال اكتشاف ظروف المرور والمسار الذي تم برمجتها لتتبعه والاستجابة لها.
وساهمت الحوادث الخطيرة مثل تلك التي وقعت في كاليفورنيا وأريزونا في إثارة الخوف والقلق لدى العديد من المجتمعات التي تفضل عدم السماح للمركبات ذاتية القيادة بالسير في شوارعها.
وتشمل التحديات الأخرى التي تواجه التبني الأوسع للسيارات ذاتية القيادة الطقس؛ حيث قد تحجب الثلوج أو المطر الغزير أجهزة الاستشعار وعلامات الطريق. وتظل التكلفة الإجمالية تشكل عقبة رئيسية أمام الملكية الخاصة للسيارات ذاتية القيادة بالكامل أيضًا.
معضلات أخلاقية
بالإضافة الى ذلك تعد السيارات ذاتية القيادة عبارة عن روبوتات مبرمجة للتصرف بطريقة معينة في موقف معين أي إنها لا تستطيع اتخاذ قرار أخلاقي، ويمثل هذا مشكلة أخلاقية في حد ذاته. على سبيل المثال، لتجنب الاصطدام؛ فهل ينبغي للسيارة أن تتخذ إجراءً لمنعها من الاصطدام بشخص أو مجموعة من الأشخاص؟. وما أولويات تحديد الاصطدام؟ ما يثير معضلة أخلاقية مشابهة لمعضلة القطار.
تمثل معضلة القطار معضلة أخلاقية في علم الفلسفة؛ حيث يفترض أن هناك السيناريو يكون فيه العديد من الأشخاص موجودين على قضيب قطار مسرع. وفي نفس الوقت يوجد فرد واحد على قضيب مهجور، ويقف الشخص موضع القرار على عتلة التحويل بين المساريين. وتثير هذه المعضلة أسئلة معقدة حول الأخلاق والاختيار والنتائج. وتتغير هذه المعضلة وتبعاتها في الفلسفة الأخلاقية غير أن جوهرها يظل كما هو.

وهنا يكمن سؤال مهم لو قتلت هذه السيارات أحد المارة مَن يكون المذنب؟ هل يقع اللوم على الشركة أم على المبرمجين أم الشركة المنتجة للحساسات. أم أن الأمر برمته متروك للقوانين التي تسنها كل دولة منفردة؟
















