مع تصاعد حدة التغيرات المناخية المرتبطة بالاحتباس الحراري والطلب المتزايد على الطاقة حول العالم اكتسبت الطاقات المتجددة أهمية قصوي خلال الفترة الأخيرة. وعلى الرغم من التقدم المضطرد في تصنيع واستخدام تلك التكنولوجيات ما زالت تحوي الكثير من العيوب.
تشمل تلك العيوب: عدم استمرار تدفق الطاقة من الطاقات المتجددة. على سبيل المثال: لا يوجد شمس لتوليد الكهرباء من الخلايا الشمسية في الليل أو الأيام الغائمة. وكذلك فإن الطاقة المولدة من الرياح تعتمد مباشرة على سرعة الرياح المتغيرة والتي قد تتوقف في بعض الأحيان.
لذلك يسعي العلماء الى إيجاد حلول لتخزين الطاقة، وفى طليعة تلك الوسائل البطاريات المعتمدة على الليثيوم.
مشاكل بطاريات الليثيوم
على الرغم من الميزات التي تمتلكها بطاريات الليثيوم، مثل: الجهد المناسب لشتغيل معظم الأجهزة المحمولة. بالإضافة إلى ارتفاع نسبة الطاقة المختزنة إلى الوزن الكلي للبطارية، إلا أن هناك مشاكل متعلقة بالتشغيل. حيث تعتمد تلك البطاريات على دوائر إلكترونية خاصة لشحنها وتفريغها.
كما أن هناك مخاطر من انفجار البطاريات عند شحنها أو تفريغها بطريقة خاطئة أو عند توصيل أقطابها دون حمل. علاوة على مشاكل سياسية حول سلاسل توريد الليثيوم وكذلك مشاكل بيئية أثناء تعدينه. لذلك تبحث الدول عن بدائل لتخزين الطاقة لتلافي تلك العيوب قدر الإمكان.
وتعتمد تلك الطرق على تخزين الطاقة في صورة جاذبية كالسدود والبحيرات؛ إذ تستخدم الطاقة الزائدة في رفع المياه إلى مكان مرتفع خلف سد ما ومن ثم توليد الطاقة الكهربية بالتوربينات عند الحاجة. وكذلك يمكن تخزين الطاقة بصورة حرارية أو مغناطيسية بواسطة المواد فائقة التوصيل.
بطاريات الرمال
تعد بطاريات الرمال إحدى الطرق المبتكرة لتخزين الطاقات الزائدة من الطاقة المتجددة بالطرق الحرارية. وتعتمد الفكرة على تسخين رمال محفوظة في وعاء حراري عازل بواسطة الطاقة الزائدة عن الحاجة. ومن ثم إعادة استخدامها في أوقات الحاجة، سواءً على صوة حرارة أو تحويلها إلى طاقة كهربية مرة أخرى.
بينما يمكن استخدام الشمس -على سبيل المثال- في تسخين الرمال إلى درجات حرارة مرتفعة قد تبلغ 600 درجة مئوية. حيث يمكن الوصول إلى هذه الحرارة المرتفعة اعتمادًا على درجة انصهار الرمل المرتفعة.
ويتكون الرمل بصورة أساسية من أكسيد السيليكون والذي يمتلك درجة انصهار حوالي 1700 درجة مئوية. ويمكن لدرجة الانصهار تلك أن تنخفض تبعًا للشوائب المتضمنة في الرمال.
في حين يحتفظ الرمل بهذه الطاقة الحرارية لمدد طويلة؛ ليعاد بعد ذلك إطلاقها إلى الشبكة الكهربائية عند الحاجة أو لتدفئة المنازل وتوفير الطاقة للصناعات المحلية. وتعد تلك ميزة؛ إذ يمكن تخزين حرارة شمس الصيف واستخدامها في الشتاء.
لقاء مع مؤسسين شركة Polar Night Energy وشرح الفكرة
بطاريات الرمال في فنلندا
فى سابقة مثيرة للاهتمام شغّلت فنلندا أكبر بطارية رمال في العالم من إنتاج شركة “Polar Night Energy” الفنلندية. وتمكّن هذه البطارية السكان من الاستغناء عن النفط في شبكات التدفئة المركزية؛ ما يخفّض الانبعاثات بنسبة تقارب 70%.
وإذا استمرت تلك البطارية في العمل بنفس الكفاءة والتكلفة المنخفضة التي تبدو عليها الآن، تصبح عما قريب من أشهر طرق تخزين الطاقة على نطاق واسع. وهي ليست أول بطارية رمل في فنلندا، لكنها الأكبر بلا منازع.
تعد تلك البطارية الرائدة في مدينة Pornainen الفنلندية صومعة معزولة يبلغ ارتفاعها 13 مترًا وعرضها 15 مترًا. وتحتوي على 2000 طن من حجر التلك أو الحجر الصابوني الذي حُطم ليُصبح رملًا.
فيما تتميز الرمال بكفاءة عالية في الحفاظ على حرارتها؛ إذ لا تفقد سوى 10% إلى 15% من طاقتها التخزينية عند الاستعادة، وفقًا لموقع “The cool Down“.

فترة تخزين ممتدة واسترجاع فوري للطاقة
يمكن لهذه البطارية تخزين 100 ميجا وات/ساعة من الطاقة لأسابيع متواصلة، وهو ما يكفي لتدفئة مركز المدينة بأكمله حتى في أيام شتاء شمال فنلندا الباردة. فوفقًا لتقرير حديث صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي فإن درجة الحرارة الصادرة عن البطارية يمكن أن تصل إلى 400 درجة مئوية.
علاوة على ذلك تزداد أهمية تخزين الطاقة، خاصةً تخزين الطاقة طويل الأمد، مع تزايد اعتماد شبكات الطاقة العالمية على مصادر طاقة متغيرة، مثل: طاقة الرياح والطاقة الشمسية. بهذه الطريقة يمكن تخزين الطاقة الزائدة عندما تكون الشمس مشرقة والرياح تهبّ، ثم إعادة ضخها إلى شبكة الطاقة عندما يتجاوز الطلب العرض. في هذه الحالة يصبح تخزين الطاقة الحرارية وسيلة ممتازة لتحقيق سيولة الطاقة.

تكلفة زهيدة
رغم أنه تم تشغيل أحدث بطارية رملية في فنلندا خلال وقت سابق من هذا الشهر، إلا أن فعالية هذا النموذج من حيث التكلفة والكفاءة تلفت الأنظار بالفعل. فمن الصعب تخيل نظام تخزين طاقة أرخص من حيث السعر.
ويقدر موقع “TechCrunch ” أن تكلفة البطارية الفنلندية أقل من 25 دولارًا للكيلو وات/ساعة من التخزين. وذلك بالمقارنة ببطاريات الليثيوم أيون والتي تكلف حوالي 115 دولارًا للكيلو وات/ساعة من التخزين. كما تحتفظ الأخيرة بالطاقة لساعات، وليس أيامًا أو أسابيع.
بالإضافة إلى ذلك، ونظرًا لاعتماد تقنية بطاريات الرمل البسيطة للغاية على مواد معاد تدويرها، فإنها لا تواجه نفس مشاكل سلسلة التوريد التي تواجهها تقنية تخزين بطاريات الليثيوم أيون. والأكثر من ذلك أنه رغم ارتباط الليثيوم بتكنولوجيا الطاقة النظيفة، إلا أن استخراجه قد يكون ضارًا للغاية بالبيئة.
لذا يعد استخدام الصخور المسحوقة المُعاد تدويرها بديلًا أقل تكلفة وأكثر مراعاةً للبيئة وأكثر شمولًا. إذ يُمكن اعتماده في أي بيئة تقريبًا، ولا يعتمد على الواردات وسلاسل التوريد العالمية الهشة.
سباق دولي لإنشاء بطاريات الرمال
في حين أن فنلندا رائدة في تطوير ونشر بطاريات الرمل إلا أنها ليست الدولة الوحيدة التي تستثمر في هذه التكنولوجيا. ففي أبريل الماضي أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية (في عهد إدارة بايدن) أنها ستقدّم 4 ملايين دولار لتمويل مشروع تجريبي لبطاريات الرمل خارج مدينة Boulder بولاية Colorado في حرم المختبر الوطني للطاقة المتجددة (NREL).
وحسب فريق المختبر الوطني للطاقة المتجددة (NREL) فإن نظامًا تجاريًا يرتكز على نموذجهم سوف يستطيع الاحتفاظ بما يزيد على 95% من حرارته لمدة خمسة أيام على الأقل.
علاوة على ذلك أفاد الفريق بأنه “يمكن تحقيق تكلفة تخزين مستهدفة تبلغ 5 سنتات/كيلو وات/ساعة في ظل سيناريوهات متنوعة”.




















