قبل الحديث عن بطاريات الجاذبية نؤكد أنه مع التوسع في السيارات الكهربية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تضاعف الطلب العالمي على مصادر الطاقة، ومن المتوقع زيادتها في السنوات القادمة. واتجهت العديد من الدول إلى زيادة إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة؛ حيث تمثل تلك المصادر فرصة ثمينة لتوليد الطاقة المستدامة والصديقة للبيئة في ذات الوقت.
مشكلة تقطع توليد الطاقة
تعد الطاقة الشمسية بالإضافة لطاقة الرياح من أكبر المصادر المتجددة المستخدمة حول العالم. كما تعاني تلك الطاقات بأنها غير مستقرة من ناحية كثافة توليد الطاقة مع الزمن. حيث يمكن أن يتوقف الإنتاج كليًا في الليل أو عند توقف الرياح. كما أن الإنتاج قد ينخفض بشكل ملحوظ في الأجواء الممطرة أو الرياح منخفضة السرعة. وعلى الجانب الآخر يمكن أن تولد الألواح في يوم مشمس طاقة أكبر من المستهلكة؛ ما يمثل فائضًا غير مستغل ومهدر. وبناءً على كل ما سبق يطلق على تلك المصادر مصادر الطاقة المتقطعة.
وتستخدم بطاريات الليثيوم في العادة لتخزين الطاقة الكهربية الزائدة من المصادر المتقطعة؛ للاستفادة منها في ساعات الذروة. وتواجه بطاريات الليثيوم الكثير حيث تتدهور كفاءة بطاريات الليثيوم بمرور الوقت، كذلك تفقد قدرتها. وتشكل تحديات في إعادة التدوير. كما تتقلب تكاليفها وفقًا للعوامل الجيوسياسية وتبعيات سلسلة التوريد. حيث تسيطر الصين حاليًا على ما يقدر بنحو 72٪ من سوق الليثيوم أيون.
فمن الطبيعي أن تسعي الكثير من الدول إلى إيجاد حلول تقنية في التوسع في استخدام الطاقة الجديدة وتخزينها، ومن هنا نشأت فكرة بطارية الجاذبية.
كيف تعمل بطاريات الجاذبية
تعتمد بطارية الجاذبية في جوهرها على طاقة الوضع. فكلما رفعت كتلة، سواء كانت كتلة كبيرة أو حجمًا من الماء، فإنك تختزن الطاقة في تلك الكتلة وارتفاعها. وبسبب الجاذبية تظل الطاقة محفوظة حتى يسقط الجسم.
وفي أي نقطة، يمكنك تركه يهبط تحت السيطرة، باستخدام مولد أو توربين لتحويل الطاقة الحركية الهابطة إلى كهرباء مرة أخرى.
على عكس الطاقة الكيميائية في البطاريات، والتي تتدهور على مدار دورات متكررة، فإن الطاقة الكامنة الجاذبية لا تتلاشى مع الوقت. طالما ظلت الأجزاء الميكانيكية تعمل، كما يمكن إطلاق الطاقة المخزنة عند الحاجة.
لا تعد بطاريات الجاذبية مفهومًا جديدًا تمامًا. حيث تعمل تقنية تخزين الطاقة الكهرومائية بالضخ، التي يعود تاريخها إلى قرن مضي، على رفع المياه من خزان أدنى إلى خزان أعلى باستخدام الطاقة الزائدة، ثم إطلاقها لتوليد الكهرباء عند الحاجة. وتمثل تلك الأنظمة أنظمة طويلة الأمد كمنشأة تخزين الطاقة بالضخ في شافهاوزن بسويسرا في أوائل عام 1907.
تخزين الطاقة باستخدام الجاذبية
تستخدم طريقة تخزين الطاقة في صورة طاقة وضع، وهي الطاقة الناشئة من وضع جسم على ارتفاع في مجال الجاذبية منذ ما يزيد على القرن تقريبًا. حيث استخدمت أنظمة كهرومائية لتخزين الطاقة ما بين خزانين أحدهما مرتفع عن الآخر.
في تلك الأنظمة تقوم مضخات بضخ المياه إلى أعلى التل باستخدام الطاقة المتولدة من الخلايا الضوئية في النهار. ومن ثم تطلقها إلى أسفل التل من خلال التوربينات في الليل أو عند ساعات الذروة. يمكن أن تكون العملية فعالة وموثوقة للغاية، لكنها تتطلب جغرافيا ملائمة خزانات مرتفعة وأحواض مائية كبيرة، والتي تفتقر إليها العديد من المناطق.
كما يمكن صناعة بطاريات الجاذبية باستخدام الأوزان الصلبة، ورفعها في أبراج شاهقة؛ حيث لا تتطلب تلك الطريقة الا على الارتفاع المتاح لرفع وخفض الكتلة فقط.
محاولات في أرض الواقع
في تجربة تلك التقنية على أرض الواقع قامت الحكومة الصينية بالتعاون مع شركة Energy Vault السويسرية بإنشاء نظام بطاريات جاذبية يسمي EVx في مدينة رودونج الصينية.
يبلغ ارتفاع مبنى EVx أكثر من 120 مترًا، وهو عبارة عن برج ميكانيكي ضخم لرفع كتل عملاقة تزن 24 طنًا عند توفر الطاقة الفائضة. وعندما تتطلب الشبكة المزيد من الطاقة، يتم خفض الكتل وتحويل طاقتها الكامنة مرة أخرى إلى كهرباء.

يمكن للنظام إنتاج طاقة قصوي 25 ميجاوات ساعة وسعة إجمالية تبلغ 100 ميجاوات ساعة. كما يمكن للنظام العمل بكفاءة تزيد عن 80%. كما يمكن للنظام العمل بكفاءة خلال مدة تشغيلها مقدرة بـ 35 عامًا؛ ما يمثل حلًا طويل الأمد.
ويتم صناعة النظام من كتلة من مواد متوفرة بسهولة، مثل التربة أو الرمل أو النفايات المعاد تدويرها. كما يعتمد بناء البرج على العمالة المحلية والموارد المحلية. وهذا من شأنه أن يقلل التكاليف مقارنة بالاعتماد على الليثيوم المستورد أو المعادن النادرة الأخرى.

بطارات الجاذبية والمناجم
في إسكتلندا، قامت شركة Gravitricity الناشئة باختبار منصة بقدرة 250 كيلو وات في ميناء ليث؛ حيث قامت برفع وخفض وزنين يبلغ وزنهما 25 طنًا. وقد أثبت نجاح العرض التجريبي صحة مفهوم إسقاط وزن تلو الآخر. ما أدى إلى تنعيم منحنى الطاقة.
والآن، تهدف شركة “Gravitricity” إلى نشر هذه التكنولوجيا في مناجم مهجورة. فبدلًا من بناء هياكل شاهقة على السطح، تخطط الشركة لتعليق أوزان ضخمة تحت الأرض. وتمتد بعض المناجم إلى عمق ثلاثة كيلومترات، وهو ما يتجاوز ارتفاع معظم ناطحات السحاب إلى حد كبير . ويترجم هذا الارتفاع مباشرة إلى قدرة أكبر على تخزين الطاقة.
وعلى الرغم من الآمال المنعقدة على بطاريات الجاذبية، فإنها ليست حلًا عالميًا. حيث إنها غير فعالة بالنسبة لتخزين الطاقة على المستوى الشخصي أو المنزلي. ففي إحدى الدراسات، حاول طلاب الهندسة رفع كتلة خرسانية تزن 2000 كجم في منزل، فقط ليجدوا أنها تخزن ما يعادل طاقة 12 بطارية AA فقط.
ومن العوامل التي تحد من انتشار تلك التقنية للمنازل أنه من الصعب إنشاء برج كبير بما يكفي لتخزين كميات كبيرة من الطاقة، كما أنه سوف يكون مكلفًا للغاية ومعقدًا من الناحية البنيوية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التآكل المادي للمكونات الميكانيكية مثل الرافعات والكابلات والبكرات أو المصاعد قد يكون مصدر قلق على مدار عقود من التشغيل. ومع ذلك، يشير المؤيدون إلى أن الصيانة المنتظمة أسهل مقارنة بتحديات إعادة تدوير البطاريات الكيميائية.
وهناك عقبة أخرى تتمثل في العقارات. ففي حين لا تحتاج أنظمة تخزين الطاقة بالجاذبية بالضرورة إلى بحيرات جبلية ذات مناظر خلابة، فإنها تتطلب هياكل شاهقة أو أعمدة عميقة. وقد تحجم المناطق الحضرية عن بناء أبراج ضخمة إذا كانت ستحجب الرؤية أو ترفع تكاليف العقارات. وقد تكون المواقع الريفية أو الصناعية السابقة أكثر ملاءمة، ولكن جدوى كل مشروع تعتمد على اللوائح المحلية والقبول العام.
















