تعد موجات الجاذبية إحدى الطرق التي يمكن من خلالها رؤية أحداث الكون ومنها طنين الكون. ففي هذا الكون الذي نعيش فيه لا يمكن رؤية كل شيء. بل يلزم العلماء النظر بطرق استشعار مختلفة للوقوف على عظمة هذا التركيب الفسيح من المجرات والكواكب والسدم.
طنين الكون.. هل هو موجات الجاذبية؟
في عام 1916م، قال ألبرت أينشتاين، في نظريته النسبية: إن الكون عبارة عن نسيج متصل من اتحاد المكان والزمان تحت مسمى الزمكان.
وأوضح من خلال نظريته بأن الجاذبية يمكنها ثني هذا النسيج، كما يمكن لكرة ثقيلة أن تثني ثوبًا حريريًا مشدودًا عند وضعها عليه. كما يمكن للأحداث كولادة النجوم أو انفجارها إحداث اضطرابات في هذا النسيج.
كذلك يحدث لسطح الماء عند إلقاء حجر على صفحة الماء. يمكن لنسيج الزمكان في هذه الحالة نقل تلك الاضطرابات في ربوع الكون فيما يطلق عليه موجات الجاذبية (Gravitational Waves).

يمكن لموجات الجاذبية، أن تظهر للعلماء إحداثًا في أسقاع الكون البعيدة. والتي يصعب رؤيتها بالتلسكوبات الأخرى. ما يعطي منظورًا آخر يعمق فهم تراكيب الكون ومادته ومادته المضادة وغيرها.
وتوجد مراصد عدة لرصد تلك الموجات أشهرها مرصد Laser Interferometer Gravitational-Wave Observatory. وهو ما يعرف اختصارًا باسم LIGO؛ حيث يقع هذا المرصد في الولايات المتحدة. وهو الذي تمكن من رصد موجات الجاذبية للمرة الأولى عام 2015.
مراصد موجات الجاذبية حول العالم
بالإضافة إلى LIGO يوجد مرصدان وهما VIRGO (أوروبا) ويقع بجوار مدينة بيزا بإيطاليا. وكذلك مرصد KAGRA. وهو اختصار لكلمة Kamioka Gravitational Wave Detector.
ويقع هذا المرصد في اليابان. وهو أول مرصد يتواجد تحت الأرض ويستخدم مرايا وعدسات مبردة لدرجات حرارة منخفضة لتقليل الضوضاء الحرارية.
يمكن لموجات الجاذبية التأثير في كوكب الأرض. حيث تحدث اهتزازات في نسيج الزمكان مما يغير من أبعاد كوكب الأرض نفسها.
وتبعًا لمصدر الموجات يكون التغير في أبعاد الأرض غير منتظم. كما لو لكمت بخفة كورة من المطاط فإن تشوه أبعادها سيكون أكثر في الاتجاه الذي لكمتها فيه.
ومن هنا يمكننا تصميم مرصد يمتد لمسافة طويلة لتكون التغيرات في المسار محسوسة. وهذا بالضبط ما تم عمله في مراصد الجاذبية حول العالم.
كيف تعمل مراصد الجاذبية؟
لفهم كيفية عمل تلك المراصد يمكننا شرح LIGO كمثال. يتكون هذا المرصد من مجموعة مكونات دقيقة تعمل معًا في تناغم لرصد أي تغيرات طفيفة بنسيج الزمكان.
يتكون النظام من ليزر قوي عالي الدقة يطلق أشعة ضوئية يتم تقسيمها إلى مسارين متعامدين. يسلك كل شعاع مسار عمودي على الآخر في أنابيب مفرغة من الهواء؛ لتجنب امتصاص الهواء للأشعة أو تشتتها، لمسافة 4 كيلومترات ذهابًا ومثلها إيابًا.

يتقابل الشعاعان في النهاية بعد رحلتهما في الأذرع ويتداخلان ومن ثم يتم توجيههما إلى مستشعرات دقيقة.
في الظروف الطبيعية، يتطابق الشعاعان تمامًا عند التقاؤهما؛ حيث يتطابق طول الأذرع وعندها لا يحدث أي تغير في نمط التداخل.
لكن عند مرور موجة جاذبية عبر المرصد، فإنها تُحدث تمددًا أو انكماشًا بفروق طفيفًة في إحدى الذراعين مقارنة بالآخر؛ ما يؤدي إلى تغير في نمط تداخل الشعاعين. يتم التقاط هذا التغير بواسطة كاشف ضوئي (Photodetector) شديد الحساسية؛ حيث يتم تحليله لاستخلاص الإشارة التي تدل على مرور موجة جاذبية.
ولضمان الدقة، يحتوي المرصد على أنظمة متطورة لعزل الاهتزازات وتقليل الضوضاء الحرارية، إلى جانب برمجيات تحليل متقدمة قادرة على تمييز الإشارات الحقيقية من التشويش.
طرق جديدة للكشف عن طنين الكون
أظهرت نتائج جديدة نُشرت في مجلة “Physical Review Letters” أنه يمكن استخدام المغناطيسات المكونة من المواد فائقة التوصيل وأنها قد تعمل بكفاءة ككاشفات لموجات الجاذبية. إذا نجح هذا كما هو متوقع، فقد يفتح الباب أمام نطاق ترددي جديد كليًا لالتقاط هذه الموجات في الفضاء.
تستند هذه الفكرة إلى اقتراح طرح في ستينيات القرن الماضي، عندما ابتكر الفيزيائي Joseph Weber، طريقةً للكشف عن موجات الجاذبية باستخدام أسطوانات معدنية كبيرة.
تهتز هذه الأسطوانات قليلًا عند مرور موجة، ولكن فقط إذا تطابقت الموجة الكونية مع التردد الطبيعي للأسطوانة. عدا ذلك، لم تلتقط هذه الأسطوانات الكثير.
هذه الدراسة الجديدة تأخذ هذا المفهوم وتغيره. فبدلًا من القضبان المعدنية العملاقة، يقترح الباحثون استخدام مغناطيسات تيار مستمر والتي قد يمكنها التقاط الموجات الكونية في نطاقات ترددية لم نكن نصل إليها من قبل.
صعوبة رصد طنين الكون
يصرح الدكتور Sebastian Ellis من جامعة Geneva،:”لقد قمت بالعمل جنبًا إلى جنب مع Nicholas Rodd من معامل(CERN) وكذلك Valerie Domcke، من معامل Lawrence Berkeley.
واتضح لفريقنا بأن الطريقة القديمة كانت تعمل جيدًا فقط عندما كانت موجات الجاذبية والقضبان المعدنية “متناغمة”. ولكن إذا كانت الموجة الكونية غير متزامنة ولو قليلًا، فإن النظام بأكمله لا يتمكن من رصدها. تتغلب هذه الفكرة الجديدة القائمة على المغناطيس على هذه المشكلة.
ويستطرد قائلًا:”تخزن المغناطيسات فائقة التوصيل كمية هائلة من الطاقة المغناطيسية. أكثر بكثير من الأنظمة التقليدية التي تستخدم الطاقة الكهربائية”.

كيف يعمل الجهاز الجديد؟
عندما يمر الإشعاع الثقالي عبر مغناطيس فائق التوصيل، فإنه يسبب اهتزازات ضئيلة للغاية للمغناطيس وهيكله. وكما هو الحال مع مرصد (LIGO) الذي يلتقط أدق الحركات في مراياه، تُغير هذه الحركة المجال المغناطيسي حول المغناطيس.
يمكن للعلماء اكتشاف هذه التغيرات باستخدام “جهاز التداخل الكمي فائق التوصيل” والمعروف اختصار باسم SQUID.
ويمكنهم بوضع حلقة بالقرب من طرف المغناطيس (مثل هوائي مغناطيسي صغير)، التقاط هذه الانزياحات المغناطيسية الخافتة.
حيث يمكن لحركة المغناطيس حول الحلقة توليد تيارات كهربية. كما هو الحال في المولد الكهربائي. ويمكن الشعور بتلك التيارات وتحليلها مما يمنحهم ذلك قراءة مباشرة لموجات الجاذبية. حيث تتحول موجات الجاذبية مباشرة إلى إشارات كهرومغناطيسية.
ويعلق د. Ellis، قائلًا: “يتخطى هذا النهج بعض الخطوات المعقدة التي تحتاجها أجهزة الكشف القديمة. فبدلًا من تحويل الإشارات الميكانيكية إلى إشارات كهرومغناطيسية، يمنحك هذا النظام إشارة كهرومغناطيسية نقية على الفور”.
وما زال كوكبنا نابضًا بالحياة في محيط شاسع من النجوم والمجرات. وما زال أمام البشرية الكثير والكثير لتعلمه حول الكون.



















