تواجه صناعة الشحن البحري العالمية تحديًا متصاعدًا يتمثل في الارتفاع المقلق لحوادث الحرائق المميتة التي تندلع على متن السفن وسط البحار.
هذه الحوادث لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية فحسب، بل تُهدد أيضًا سلاسل الإمداد العالمية وتُربك حركة التجارة الدولية.
ومع تزايد الشحنات التي تحتوي على مواد قابلة للاشتعال بات من الواضح أن أساليب التفتيش والرقابة التقليدية لم تعد قادرة على التعامل مع حجم المخاطر المتصاعدة.
إلا أن بصيص الأمل يلوح في الأفق؛ إذ يتجه قطاع الشحن البحري إلى تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. بهدف رصد التهديدات قبل أن تتحول إلى كوارث.
2024 يسجل رقمًا قياسيًا للحرائق البحرية
وفقًا لتقرير “السلامة والشحن لعام 2025” الصادر عن شركة “أليانز” سجلت نحو 250 حادثة حريق على متن السفن خلال عام 2024. وهو أعلى رقم خلال العقد الأخير.
وأشار التقرير إلى أن المصدر الرئيس لهذه الحوادث يعود إلى الشحنات التي تم التصريح عنها بشكل خاطئ. ما يثير قلقًا كبيرًا في أوساط شركات النقل البحري.
كما حذر من أن تضخم حجم سفن الحاويات الحديثة جعل من عمليات مكافحة الحرائق أكثر تعقيدًا. في حين أن الشحنات التي تحتوي على بطاريات الليثيوم أو مواد خطرة زادت من حجم التهديدات.
فيما تشير التوقعات إلى أن الطلب العالمي على بطاريات الليثيوم-أيون سيبلغ 322 مليار دولار بحلول عام 2030، وهو ما يفرض تحديًا هائلًا على القطاع البحري فيما يتعلق بسلامة النقل.
الذكاء الاصطناعي على خط المواجهة
بحسب تقرير نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” فإن المجلس العالمي للشحن أطلق مؤخرًا أداة مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، قادرة على تحليل ملايين حجوزات الحاويات لحظيًا.
وذلك باستخدام تقنيات متقدمة للتعرف على الأنماط واكتشاف الشحنات عالية الخطورة قبل صعودها إلى متن السفن.

وفي حالة لو رصدت الأداة شحنات مصنفة بطريقة مريبة أو تحتوي على مواد خطرة غير مصرح بها. يتم تنبيه شركات الشحن لاتخاذ إجراءات فورية، مثل: إجراء فحوصات ميدانية دقيقة.
شركات كبرى تتبنى النظام الجديد
ووفقًا لرئيس المجلس العالمي للشحن جو كراميك فإن 70% من القدرة العالمية لشحن الحاويات أصبحت ضمن هذا النظام الجديد. ما يعكس إدراكًا متزايدًا لخطورة الحرائق الناتجة عن سوء التصريح بالبضائع.
في حين لاقى هذا التوجه ترحيبًا واسعًا من قطاع التأمين البحري، حيث أعلنت “المجموعة الدولية لنوادي الحماية والتعويض”. التي توفر تغطية لما يقارب 90% من الحمولة البحرية العالمية دعمها الكامل للمبادرة، داعية الشركات إلى اعتمادها على نطاق واسع.
إخفاء نوع البضائع.. التهديد الخفي
تشير بيانات المجلس العالمي للشحن إلى أن التصريحات المضللة من قبل بعض وكلاء الشحن. سواء بسبب الجهل أو لتجنب الرسوم الإضافية تُعد سببًا رئيسًا في تصاعد حوادث الحرائق.
كما يؤكد راهول خانا؛ الرئيس العالمي لاستشارات المخاطر البحرية في “أليانز كوميرشال”. أن التصريح الخاطئ كان ولا يزال مشكلة مستمرة. إذ قد تسجل مثلًا شحنة مواد خطرة على أنها “قطع غيار إلكترونية” لتفادي التكاليف.
إلا أن الأداة الذكية الجديدة ستكون قادرة على رصد هذه الحيل. من خلال مقارنة أنماط التصريحات السابقة، وتعلمها من الحوادث الماضية؛ ما يجعلها أكثر دقة مع مرور الوقت.
كيف يعمل النظام الجديد؟
يشبه الخبير في التكنولوجيا والأمن السيبراني، هشام الناطور. هذه الأداة بـ”رادار رقمي” قادر على تحليل كميات ضخمة من بيانات الشحنات لحظيًا. ومن مسافات بعيدة.
كما تعمل الخوارزميات على ربط تفاصيل البضائع بمعلومات تاريخية. ومصادر موثوقة للكشف عن مؤشرات الخطر المحتملة.

علاوة على ذلك يؤكد “الناطور” أن ما يميز هذه الأداة هو قدرتها على التعلم الذاتي. فكل حادث يتم تفاديه أو كشفه يصبح جزءًا من قاعدة بيانات تغذي النظام؛ ما يزيد من فاعليته بمرور الوقت.
التزام الصناعة شرط للنجاح
وقال هشام الناطور: “رغم أن الأداة تعمل عن بعد ولا تتطلب وجود فرق فنية على متن السفن، إلا أن نجاحها يرتبط بمدى التزام شركات الشحن بمشاركة المعلومات بشفافية والتجاوب السريع مع التحذيرات”.
كما أشار إلى أن ذلك يُمكن أن يقلل من التكاليف غير المباشرة التي تسببها الحرائق، مثل: تعطيل المسارات وتأخير التسليمات.
نقلة نوعية في معايير السلامة
تؤكد الكاتبة المتخصصة في الاقتصاد، رلى راشد، أن اعتماد الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يمثل تحولًا جذريًا في مفهوم الوقاية. من كونه رد فعل بعد الكارثة إلى نهج استباقي يمنعها من الأساس.
فيما تضيف أن قطاع الشحن البحري، الذي يمثل أكثر من 80% من حجم التجارة العالمية. بحاجة ماسة إلى مثل هذا التحول. خاصة في ظل التداخل العميق بين الأمن البحري واستقرار الأسواق العالمية.
تغيير في قواعد المحاسبة
كما لفتت رلى راشد إلى أن وجود نظام قادر على كشف التصاريح المضللة سيحدث أيضًا تحولًا في الإطار التشريعي.
كذلك تابعت: لن تكون مقولة “لم نكن نعلم” مقبولة قانونيًا؛ ما يُحمّل وكلاء الشحن والمستوردين مسؤولية أكبر ويلزمهم بالامتثال الصارم.
ميزة تنافسية واستدامة
في حبن ترى رلى راشد أن الشركات التي تتبنى هذا النظام مبكرًا تحظى بميزة تنافسية. إذ تُصنّف كشركات أكثر أمانًا واستدامة. ما يتماشى مع اتجاهات السوق العالمية التي تُولي أهمية متزايدة للسلامة والبيئة.
وتختم بأن الذكاء الاصطناعي قد لا يكون مجرد خيار تكنولوجي، بل ضرورة إستراتيجية للبقاء في سوق شديدة التنافسية.



















