حوسبة البيانات بسرعة الضوء.. هل تصبح نقطة تحول في تاريخ التكنولوجيا؟

التحكم فى مواد شبة موصلة باستخدام الضوء

مثل نقل البيانات بالضوء  ثورة في الحياة البشرية والحضارة كتلك التي أحدثها  اكشاف الكهرباء . فقد أنارت الكهرباء المنازل وأدارت مكينات المصانع. بل صنعت ثورة في السيارات والتنقل الصديق للبيئة. حيث مثلت مصدر طاقة نظيفًا وآمنًا.

منذ اختراع الترانزستور في أربعينيات القرن الماضي وأصبح هذا الاختراع نقطة تحول في تاريخ التكنولوجيا. حيث حل الترانزستور محل الصمامات المفرغة، وفتح الطريق لتصغير الأجهزة الإلكترونية، وتطور الحواسيب.

تطوير الإلكترونيات ونقل البيانات بالضوء

ساهمت الترانزستورات في تطوير الالكترونيات بشكل كبير من حيث الحجم والسرعة والكفاءة. في بادئ الامر استخدمت الترانزستورات في الأجهزة التناظرية التي اعتمدت على التحكم بجهد وتيار الدوائر.

تلي ذلك استخدام الترانزستورات في الدوائر الرقمية؛ حيث اعتمدت تلك الدوائر وجود جهد أو عدم وجوده لتحديد الحالات المنطقية للدوائر.

ففي حالة وجود جهد تكون الحالة المنطقية تساوي 1 بينما انعدام الجهد يمثل الحالة 0. وبإجراء العمليات الحسابية المنطقية ظهرت للنور المعالجات الرقمية.

ومن تلك النقطة انطلقت كل الأجهزة الرقمية التي نراها في عالمنا اليوم. وتجمع المعالجات داخل حواسيبنا أو أجهزة الهاتف والأجهزة الرقمية  ملايين الترانستورات، إن لم تكن مليارات، وتعمل معًا في توافق حتي تنبض أجهزتنا بالحياة.

الترانزستور

تطوير الترانزستور لنقل نقل البيانات بالضوء

تسعي الشركات الى تقليص حجم الترانسستور الواحد داخل المعالجات. ما يسمح بعدد أكبر لنفس المساحة. أو زيادة سرعة المعالجات باستخدام مواد مبتكرة لتقليص الزمن اللازم لاستجابة الترانزستور.

مع التطور السريع في صناعة المعالجات قاربنا إلى الحدود الفيزيائية للذرات والتي عندها سيستحيل تقليص حجم الترانزستور الى أحجام أقل. فشركات رائدة في صناعة الرقائق الإلكترونية مثل TMSC  التايوانية قد أعلنت عن خطة إنتاج ترانزستور 2 نانومتر. ومن الجدير بالذكر فإن اسم 2 نانومتر لا يدل على خصائص فيزيائية للترانزستور. حيث يشغل الترانزستور حيزًا أكبر من ذلك. الا أن الاسم يعبر عن اسم تجاري لتكنولجيا التصنيع تلك. ففي حالة تكنولوجيا 2 نانومتر من شركة  IBM كان عرض البوابة في الترانزستور يساوي 12 نانومتر وليس 2 نانومتر كما يتصور من المسمى.

ترانزستور من نوع MOSFET موضحا أجزاءه.

 

التحكم في الترانزستورات باستخدام الضوء

من المعروف بأن سرعة الحسابات المنطقية وبالتالي سرعة الأجهزة معتمدة إلى حد كبير على سرعة استجابة الترانستورات المكونة للمعالجات. ويتم التحكم في تلك الترانستورات باستخدام جهد كهربي على جزء منها يسمي القاعدة.

ويحاول العلماء التوصل لطريقة الحوسبة الضوئية وهي الطريقة التي يستخدم فيها الضوء بدلًا من الجهد الكهربي في تشغيل الترانزستورات. وكذلك  إجراء العمليات الحسابية الرقمية باستخدام الفوتونات بدلًا من الإلكترونات. حيث يمثل استخدام الضوء تخفيضًا مذهلًا للحرارة الناتجة داخل المعالجات، وزيادة لسرعة الحوسبة تصل بالفعل لسرعة الضوء في الانتقال بين الوصلات.

ففي دراسة جديدة قدّم علماء من جامعة Bielefeld ومعهد Leibniz لأبحاث الحالة الصلبة والمواد في دريسدن (IFW Dresden) تقنية جديدة تستخدم نبضات ضوئية فائقة القصر للتحكم في أشباه الموصلات الرقيقة ذريًا.

تمكن الفريق من تصميم هوائيات نانومترية تحوّل إشعاع فى مدي تردد التيراهرتز Tera Hertz إلى مجالات كهربائية عمودية. يحدث ذلك  باستخدام مواد رقيقة ذريًا مثل ثاني كبريتيد الموليبدينوم (MoS₂). وفي الوقت ذاته فإن أشعة  التيراهرتز هي جزء من الطيف الكهرومغناطيسي بين ترددات الأشعة تحت الحمراء والميكرويف أي أنها تحمل خصائص الضوء المرئي.

التعقيد داخل معالج Intel 80486DX2 CPU chip. المعالج عتيق جدا
التعقيد داخل معالج Intel 80486DX2 CPU chip. المعالج عتيق جدا

تطور كبير بفضل الهوائيات الجديدة

بفضل تصميم الهوائي المبتكر، يمكن أن تصل شدة المجالات الكهربائية الناتجة إلى عدة مليون فولت  لكل سنتيمتر. وفي هذا الصدد يوضح الدكتور Dmitry Turchinovich ، أستاذ الفيزياء بجامعة Bielefeld، وقائد الفريق البحثي للمجموعة البحثية: “في العادة يتم التحكم في الترازستورات باستخدام الاشارات الكهربية الإعتيادية إلا أن تلك الطريقة بطيئة الاستجابة نسبيًا”. ويضيف: “تستخدم الطريقة الجديدة  ضوء التيراهرتز نفسه لتوليد إشارة التحكم داخل المادة شبه الموصلة. ما يتيح تقنية بصرية إلكترونية فائقة السرعة، متوافقة مع الصناعة، باستخدام  الضوء ، وهي تقنية لم تكن ممكنة حتى الآن”.

كما تتيح التقنية الجديدة  التحكم الفوري في البنية الإلكترونية في فترات زمنية تقل عن بيكو ثانية، أي جزء من تريليون من الثانية. وقد أثبت العلماء تجريبيًا إمكانية تغيير الخصائص البصرية والإلكترونية للمادة بشكل انتقائي باستخدام نبضات ضوئية.

تجارب عديدة ونتيجة مرضية

وفي هذا الصدد، يقول Andy Thomas أحد المشاركين بالبحث والمسؤول عن تصنيع الهوائيات: “لقد استغرقنا جهدًا كبيرًا لتطوير العينات المثالية، إذ كان علينا تصنيع واختبار العديد من الهياكل المختلفة قبل تحقيق الأداء المطلوب”.

ويأمل الفريق أن يؤدي هذا التطور إلى تطوير أجهزة تحكم في الإشارات فائقة السرعة، ومفاتيح إلكترونية، وأجهزة. حيث ستستخدم الترانزستورات الجديدة في صناعة مكونات أجهزة نقل البيانات، والكاميرات، وأنظمة الليزر. تشمل مجالات التطبيق المحتملة أنظمة الاتصالات، والحوسبة، والتصوير، وتقنيات الكم.

ومن الجدير بالذكر بأن الفريق قد نشر نتائج البحث فى مجلة Nature Communications المرموقة.

الرابط المختصر :