تغيرت ساحات المعارك كثيرًا منذ الحرب العالمية الثانية. فالتطور العلمي المذهل في التسليح عدة وعتادًا، خاصة في عصر الطائرات الشبحية. فقد تحولت الحروب من ساحات تنافسية في الشجاعة والإقدام إلى ساحات تملؤها التكنولوجيا بمختلف الأسلحة المتقدمة.
الرادارات وأحدث الطائرات الشبحية
ولكن الدرس المستفاد من الحرب العالمية والذي وعته الجيوش أن من يمتلك السماء والسيطرة الجوية، وإن كانت وحدها لا تكفي، تفتح له آفاق النصر. ومع الدور الذي لعبته الطائرات في الدفاع عن بريطانيا، بالإضافة إلى الإنذار المبكر الذي أتاحته الرادارات كان له أعظم الأثر في قلب دفة المعركة. ومنذ ذلك الحين صار الصراع الجوي الذي تتكون أضلعه من الطائرة ومضادات الطائرات والرادارات هو حجر الأساس في تطوير المنظومات الثلاث.
تأتي كلمة رادار مشتق من الكلمة Radio Detection And Ranging. أي أنه نظام يستخدم الموجات الكهرومغناطيسية للكشف عن الأجسام، تحديد مواقعها، سرعتها واتجاهها من خلال تلقي الإشارات المنعكسة عن الأهداف.
لم يكن تطوير الرادارات مجهودًا فرديًا. حيث بدأ الأمر بإثبات العالم الفيزيائي الألماني هاينريش هرتز أثبت في أواخر عام 1880 إمكانية انعكاس الموجات الراديوية عن الأجسام مثبتًا الفكرة العامة التي بني عليها الرادار.
غير أن التطبيقات العسكرية جري تطوريها انطلاقًا من عام 1930 على يد العديد من العلماء في بلدان عدة. فعلى سبيل المثال قام علماء من الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والإتحاد السوفيتي بإجراء تجارب على استخدام الرادار للكشف عن الطائرات. غير أن النجاح الكبير والتطبيق الفعلي كان من نصيب بريطانيا في جدارها الرداري Chain Home والذي كان يعمل على مدار الساعة بدءًا من عام 1938. وكان له أعظم الأثر في دحر الهجوم الألماني على الجزيرة. ولأن تاريخ الرادارات أكبر من أن يحويه مقام كهذا فيمكن الاستزادة إن أردت من هنا.

البصمة الرادارية
بما أن الطائرات الشبحية الهجومية تعتبر أداة تعطي السيطرة الجوية على أرض المعركة تتسابق الكثير من الدول على امتلاك تلك الطائرات. وتعد الطائرتان F22 وF35 الأمريكيتين من أشهر أنواع الطائرات الشبحية. كما لا يمكن الحديث عن الطائرات الشبحية دون الحديث عن الطائرة B2 Spirit والتي استخدمتها الولايات المتحدة لضرب مفاعلات إيران مؤخرًا. كما تمتلك روسيا طائرات Sukhoi Su-57، بينما تمتلك الصين مشاريعها الخاصة لإنتاج الطائرات الشبحية Shenyang J-35.
يمكن للرادار استشعار الموجات المنعكسة عن الطيارات والسفن سواء الحربية أو المدنية. غير أنه يراعي في تصميم الطائرات العسكرية تقليل البصمة الرادارية. حيث إن البصمة الرادارية هي مفهوم في أنظمة الرادار يصف كمية الإشارة الرادارية التي يرسلها الهدف (مثل طائرة أو سفينة) ويعود منها إلى جهاز الرادار. فكلما كانت البصمة الرادارية صغيرة سهل على الطائرة التسلل خلف خطوط العدو وتنفيذ المهام بحرية نسبية. كما أن صغرها يمكن أن يقلل بشكل كبير إمكانية استهداف الطائرات والسفن الحربية على حد سواء.

تقنيات الشبحية
يقوم مهندسو الطيران بتقليل البصمة الرادرية بعدة طرق أهمها هي الزوايا الحادة للطائرات كما هو الحال في الطائرة الامريكية F117 نايت هوك. حيث تقوم الزوايا الحادة ببعثرة الموجات بعيدًا عن المصدر؛ ما يقلل الكشف عنها.
كما يمكن استخدام مواد تقوم بامتصاص الموجات كما هو الحال في F22 وF35 كما يمكن الدمج بين تلك التقنيات. ولا يقتصر الكشف عن الطائرات على الرادار بل يمكن أيضا الكشف عنها بالانبعاث الحراري من محركاتها. كما يمكن الإفصاح عن مكانها بواسطة الرادار الموجود على متن الطائرة نفسه. وتقوم الطائرات الشبحية الحديثة بالطيران الصامت مع مراعاة تقليل البصمة الحرارية للطائرة والقمرة نفسها.
يمكن بجمع تلك التقنيات مع وجود نقاط تعليق الأسلحة في باطن الطائرة من تخفيض نسبة اكتشاف الطائرة إلى نسبة مقبولة تمكنها من أداء مهامها بسرية وسلامة. أي أن ما يحدد ما إذا كانت الطائرة شبحية هي مجموع البصمات الرادرية والحرارية والإشعاع الناتج عنها.

الصين تغير اللعبة
يمكن الكشف عن الطائرات الحربية الشبحية بواسطة طرق مبتكرة كاضطراب بث الأقمار الاصطناعية إذا مرت الطائرة بين حساسات متموضعة على الأرض والقمر الصناعي. غير أن تلك الطريقة لا يمكنها استهداف الطائرة ولكن فقط معرفة أنها مرت من هنا، ومحاولة تخمين المكان الذي تستهدفه.
وفى سابقة هي الأولى من نوعها تعلن الصين عن الرادار الكمي والذي يعتمد على ظواهر وقوانين ميكانيكا الكم في الكشف عن الطائرات. وهو الأمر الذي لو طبق عل نطاق واسع فسينتهي عهد الشبحية إلى الأبد. حيث يعتمد هذا الرادار على ظاهرة معروفة في ميكانيكا الكم تسمي الترابط الكمي للفوتونات.
الترابط الكمي
تتكون الموجات الكهرومغناطيسية من وحدات صغيرة تسمي فوتونات تتحدد طاقتها التي تحملها بوحدة تسمي الكمات. يمكن لفوتونين أن يترافقا إذا صدرا من نفس المصدر بنفس الطور والطاقة. في هذه الحالة يصبح الفوتونان مترابطين فيما يعرف بالترابط الكمي.

يتعامل الفوتونان المترابطين كما لو كانوا شقين لفوتون واحد يتأثر أحدهما بحالة الاخر حتى ولو فصلت بينهم المسافات الشاسعة وبصورة لحظية. لقد حيرت تلك الظاهرة العلماء منذ اكتشافها وما زالت الآلية التي تحدث بها غير مفهومة كليًا. ويفترض العلماء بأن الترابط الكمي يمكنه أن يصمد دون تغير حتى لو كان أحد الفوتونين في حافة الكون بينما الآخر على الحافة الأخرى من الكون.
ما أعلنت عنه الصين هو صنع رادار يستخدم تلك الفوتونات المترابطة؛ حيث سيصدر الفوتونان في نفس اللحظة فيحتفظ بأحدهما عند المصدر بينما يرسل الآخر إلى السماء. في حالة ما إذا اصطدم الفوتون المسافر بطائرة شبحية فإنه سيمتص أو ينعكس. في تلك الحالة سينبأ الفوتون عند المصدر بحال صاحبه في اللحظة ذاتها. ليمكن المستخدم من تحديد الطائرة ومسارها بدقة متناهية وفى الوقت الفعلي كم لو كنت كرة صغيرة تتحرك أمامك على المنضدة.
إعلان ثوري ولكنه خطوة في الطريق
على الرغم من إثبات الفكرة في المعامل، فقد شكك الكثير من المتابعين في إمكانية حدوث ذلك في أرض المعركة. حيث يحتاج التطبيق الفعلي إلى الكثير من العمل والتطوير؛ حيث إن ظروف المعركة لا تتشابه من قريب أو من بعيد مع ظروف المعركة.
يبدو أن العلم والتطور قد غير بالفعل شكل الحروب المستقبلية. حيث سيصبح هنالك روبوتات مقاتلة وكومبيوترات كمية جبارة لفشك التشفير ورادارات كمية. وكذلك مسيرات تعمل بالذكاء الاصطناعي في السماء وتحت الماء. يبدو أن حروب المستقبل ستصبح كما تنبأت بها ألعاب الفيديو تمامًا.



















