في عالمنا الحالي يمكن رصد وتتبع حركات الإنسان. وحتى سكناته وميوله في التسوق وغيرها، بل حتى عدد ساعات نومه، وانتظام دقات قلبه. ذلك كله بواسطة الأجهزة القابلة للارتداء والهواتف المحمولة، التي تجمع البيانات الطبية، وحديثًا بيانات موجات الدماغ.
كل هذه الأدوات مجتمعة تحول الإنسان إلى مجموعة من البيانات القيمة جدًا لشركات البيانات والذكاء الاصطناعي، وكذلك شركات التسويق. وفي الوقت نفسه تطرح سؤالًا ملحًا عن خصوصية الأفراد والمجتمعات.
انتشرت طرفة في الآونة الأخيرة مضمونها بأن أحدهم قد اتصل بمتجر لبيع البيتزا، ليجيب اتصاله كومبيوتر يعمل بالذكاء الاصطناعي. وبعد أن أملاه الرجل الطلب الغني بالدهون، رفض الكومبيوتر تنفيذ الطلب؛ معللًا بأن الطلب غير مفيد لصحته، حسب بيانته الطبية.
كما ذكّره أيضًا بموعد طبيبه الخاص بالغد، وأن يصطحب باقة الورود التي طلبها في المساء. فتزمر الرجل بشدة من هذا التدخل السافر في قرارته، وكيف عرف كل تلك المعلومات؟ فأجابه الكومبيوتر بصوت بشري ساخر: بياناتك كلها مسجلة عندي، ولو أصررت على الطلب فسأتصل بزوجتك؛ لأعلمها برسائلك الخاصة. على الرغم من أنها طرفة فإنها حقيقة واقعة في عالمنا الحالي.
بيانات من المنبع
ظهرت في الآونة الاخيرة تقنيات باستطاعتها قراءة موجات الدماغ. وعلى الرغم من أن تلك التقنيات ما زالت في بداياتها، فإن تلك التكنولوجيات تطرح سؤالًا ملحًا عن خصوصية وملكية الأفكار.
إن السؤال “ما هي الفكرة؟” لم يعد سؤالًا فلسفيًا بحتًا. فمثل أي شيء آخر، أصبحت قابلة للقياس من خلال تتبع الموجات الدماغية. وبالطبع يعني هذا أن البيانات قابلة للتسويق، وتشترى بالفعل وتباع بيانات الدماغ الملتقطة من قبل الشركات في مجال الأجهزة القابلة للارتداء، مع وجود القليل من قوانين الحماية للمستخدمين.
وفي محاولة لتقنين حقوق المستخدمين لتلك الأجهزة، أقرت ولاية كولورادو مؤخرًا قانون الخصوصية الأول من نوعه. ويهدف هذا القانون إلى حماية خصوصية البيانات الشخصية للأفراد من خلال وضع متطلبات معينة للكيانات، التي تعالج البيانات الشخصية، ويتضمن حماية إضافية للبيانات الحساسة.
ويمثل توسيع مصطلح “البيانات الحساسة” السمة الأساسية لقانون كولورادو الجديد. ليشمل “البيانات البيولوجية” بما في ذلك الكثير من الخصائص البيولوجية، والوراثية، والكيميائية الحيوية، والفسيولوجية، والعصبية.
تطبيقات واعدة معتمدة على بيانات الدماغ
وتعد شركة Neuralink، التي أنشأها Elon Musk، المثال الأكثر شهرة لكيفية دمج التكنولوجيا مع العقل البشري، على الرغم من أنها ليست الوحيدة في هذا المجال؛ حيث ظهرت شركة Paradromics كمنافس وثيق.
حيث أنتجت هذه الشركات الأجهزة، التي أعادت الكلام لضحايا السكتة الدماغية، وساعدت مبتوري الأطراف في تحريك الأطراف الاصطناعية بعقولهم. كل هذه المنتجات هي أجهزة طبية تتطلب الزرع، ومحمية بموجب متطلبات الخصوصية الصارمة لقانون التأمين الصحي والمساءلة (HIPAA).
ويركز قانون كولورادو على مجال التكنولوجيا الاستهلاكية سريع النمو، والأجهزة التي لا تتطلب إجراءات طبية، ولا تتمتع بحماية مماثلة. حيث يمكن شراؤها واستخدامها دون إشراف طبي من أي نوع، كالساعات الذكية مثلًا.

منتجات منتشرة بالفعل
كما تتيح الكثير من الشركات منتجات يمكن ارتداؤها لالتقاط موجات الدماغ أو بيانات الأعصاب. فعلى سبيل المثال، يضم موقع أمازون الكثير من الأجهزة المعروضة للبيع بالفعل.
تشمل تلك الأجهزة أقنعة النوم المصممة لتحسين النوم العميق أو تعزيز الأحلام. كذلك عصابات الرأس التي تعزز التركيز، وسماعات التحكم البيولوجية. هذه المنتجات تلتقط البيانات العصبية من خلال استخدام أقطاب كهربائية صغيرة لتسجل قراءات لنشاط الدماغ. في حين ينتج بعضها نبضات كهربائية للتأثير في نشاط الدماغ البشري. وتعمل كل هذه الأجهزة دون قوانين تنظم البيانات المجموعة بواسطتها.
في هذا الصدد تقول الراعية الرئيسة لمشروع قانون كولورادو، النائبة Cathy Kipp: “بظهور تلك التطبيقات نكون قد أدخلنا عالم الخيال العلمي في الواقع الملموس. كما هو الحال مع أي تقدم في العلوم، يجب أن يكون هناك حواجز واقية”.

سوق واعدة وبيانات غير محمية
وجدت دراسة حديثة أجرتها مؤسسة Neuro Rights Foundation أن من بين ثلاثين شركة تصنع تكنولوجيا يمكن ارتداؤها قادرة على التقاط موجات الدماغ، فإن تسعة وعشرين شركة “لا تفرض أي قيود ذات مغزى على هذا الوصول“.
كما قال الدكتور Sean Pauzauskie؛ المدير الطبي في المؤسسة: “لقد ارتكزت هذه الثورة على القدرة المتزايدة لالتقاط وتفسير موجات الدماغ”. وأضاف قائلًا: “إن الأجهزة التي تستخدم تخطيط كهربية الدماغ تشكل سوقًا بمليارات الدولارات، ومن المقرر أن تتضاعف خلال السنوات الخمسة القادمة، فإنه من المتوقع أن تشهد تكنولوجيا الأعصاب طفرة كالتي أحدثها ChatGPT”.

تعتمد كمية البيانات التي يمكن جمعها على عوامل عدة، لكن التكنولوجيا تتقدم بسرعة، وقد تؤدي إلى زيادة هائلة في التطبيقات، مع دمج الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد في هذه التكنولوجيا. وقد قدمت شركة Apple بالفعل براءات اختراع لأجهزة Air Pods يمكنها أن تستشعر الدماغ.

أهمية خصوصية بيانات موجات الدماغ
قال Rafael Yusuf؛ أستاذ العلوم البيولوجية، ومدير مركز Neuro Technology بجامعة كولومبيا: “بيانات موجات الدماغ مهمة للغاية؛ حيث لا يمكن تركها دون تنظيم. إنها تعكس العمل الداخلي لعقولنا”. وأضاف قائلًا: “الدماغ ليس مجرد عضو آخر في الجسم. نحن بحاجة إلى إشراك الجهات الفاعلة الخاصة لضمان تبنيها لإطار ابتكار مسؤول؛ حيث أن الدماغ هو ملاذ عقولنا”.
وفي ذات السياق يقول Pauzauskie: “إن قيمة تلك البيانات بالنسبة للشركات تأتي من تفسير أو فك تشفير إشارات الدماغ، التي تجمعها التقنيات القابلة للارتداء. ولفهم ذلك لنفرض أنه إذا كنت ترتدي سماعات أذن تستشعر نشاط الدماغ. وبحثت مثلًا عن أحذية جري، فلن تعرف مثل شركة نايكي بالبحث من سجل التصفح الخاص بك فحسب. بل ستتمكن الآن من معرفة مدى اهتمامك في أثناء التصفح”.
من أجل هذا قد نكون بحاجة إلى موجة من التشريعات الخاصة بالخصوصية البيولوجية على وجه السرعة. ويمكن أن يؤدي القلق الذي يستهدفه قانون كولورادو إلى موجة من التشريعات المماثلة، مع زيادة الاهتمام بتشريعات التقنيات المتقدمة، وتسليع بيانات المستخدم.




















