بقلم: نيكوس سافا، أستاذ العلوم الإدارية بكلية لندن للأعمال
يساهم الذكاء الاصطناعي في الارتقاء بقطاع الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم، إلا أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالذات تشهد تحولاً متسارعاً وطموحاً.
وتركز حكومات دول المنطقة على تشجيع الابتكار ضمن القطاع في أجنداتها الوطنية، مثل رؤية السعودية 2030 واستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، مما يجعل القطاع ميداناً لاختبار إمكانيات الذكاء الاصطناعي وقدرته على الارتقاء بجودة الحياة على نطاق واسع.
أول عيادة طبيب مدعومة بالذكاء الاصطناعي في العالم
وتشهد المنطقة تقدماً ملحوظاً في هذا المجال، إذ تصدرت المملكة العربية السعودية عناوين الأخبار العالمية بعد إطلاق أول عيادة طبيب مدعومة بالذكاء الاصطناعي في العالم، حيث قام “الدكتور هوا” من إنتاج شركة سيني إيه آي في شنغهاي بتشخيص المرضى ووصف العلاجات اللازمة لأمراض الجهاز التنفسي. بينما تتوجه المستشفيات الرائدة في دولة الإمارات، مثل كليفلاند كلينك أبوظبي ومدينة الشيخ شخبوط الطبية، إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لمساعدة أطباء الأشعة على الكشف عن السرطان، وتشخيص الكسور وأمراض القلب في وقت أبكر وبشكل أدق. أمّا مصر، فبدأت في استخدام أدوات التشخيص المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز وصول المرضى في المناطق الريفية البعيدة إلى الخدمات الطبية، مما يساهم في حل مشكلة نقص الأطباء والمختصين.
وتعكس هذه المشاريع تصوراً مستقبلياً حول إيجاد أطباء مدعومين بالذكاء الاصطناعي بالكامل، إلا أنني أرى أن الطريقة الأكثر فعالية للاستفادة من هذه التقنيات تكمن في توفيرها لمساعدة الأطباء في عملهم بدلاً من استبدالهم بها.
مساعدة الأطباء عوضاً عن استبدالهم
يتسم قطاع الرعاية الصحية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالتحدي والتميز في آنٍ واحد، إذ تجمع عواصم دول الخليج العربي بين المستشفيات عالمية المستوى والمناطق الريفية التي تعاني من نقص الكوادر الطبية. وتبدأ مسيرة الذكاء الاصطناعي في هذه المنظومة المعقدة من خلال القيام بمهام الدعم، والتي تنطوي على التوثيق الطبي، وتحديد الأخطاء في الوصفات الطبية، وتخفيف الأعباء الإدارية.
ويتيح ذلك للأطباء المزيد من الوقت في متابعة المرضى، إذ يوفر عليهم عناء المعاملات الورقية. وتبرز أهمية ذلك بشكل خاص في منطقة الخليج العربي، حيث تتزايد المخاوف حول موضوع الإجهاد الشديد لدى الأطباء. أما بالنسبة للمرضى، فإن ذلك يتيح لهم تجربة استشارية يبرز فيها الطابع البشري، إذ يقوم الأطباء مثلاً في الرياض أو دبي بالتواصل بشكل مباشر مع المرضى والاستماع لهم والتفاعل بشكل كامل معهم، بالتزامن مع قيام الذكاء الاصطناعي بتدوين الملاحظات.
كما تستفيد أنظمة الرعاية الصحية من الذكاء الاصطناعي، حيث تبرز إمكاناته في تقديم الملاحظات الطبية الدقيقة والشاملة في الدول التي يرتبط فيها التعويض والتغطية المالية بجودة الوثائق وصحتها، مما يعزز سلامة المرضى ويضمن لهم الاستدامة المالية.
النقلة النوعية الهادئة نحو الذكاء الاصطناعي والمسائل المتعلقة بتحقيق المساواة
لن يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على مساعدة الأطباء فقط، بل سيتوسع دوره ليشمل الخدمات الاستشارية الفاعلة، مثل تقديم التشخيصات الملائمة، واقتراح خيارات العلاج المناسبة، وحتى تولّي إدارة المراجعات الدورية. وقد يشكل هذا التوسع بالنسبة للبيئات ذات الموارد المحدودة الخط الفاصل بين توفر الرعاية الصحية أو انعدامها.
ويخشى المراقبون أن ذلك قد يؤدي إلى إنشاء منظومة مؤلفة من فئتين، هما المرضى ميسوري الحال الذين يتلقون الرعاية من الأطباء البشريين، وبقية المرضى الذين يتعاملون مع بديل الأطباء المدعوم بالذكاء الاصطناعي والذي “لا يتمتع بنفس مستوى الجودة”. وقد يكون العكس صحيحاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في المناطق الريفية في مصر والأردن والمغرب، التي تتسم بقلة عدد الأطباء المختصين، لتساعدهم هذه التقنيات على الارتقاء بمستوى خبراتهم.
ومع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، قد نشهد في المستقبل انعكاس مسار التوقعات، حيث يتجه المرضى ميسوري الحال للحصول على العلاج بواسطة أطباء الذكاء الاصطناعي، فيما يعتمد المرضى غير القادرين على تحمل تكاليف هذه الأنظمة على البديل البشري الأقل دقة وفعالية. وقد يمثل انقلاب المسار بهذا الشكل تحدياً لتوقعاتنا، كما يسلط الضوء على المسؤوليات الأخلاقية التي يتوجب على صنّاع السياسات في المنطقة التمسك بها والالتزام بتطبيقها.
التطلعات المستقبلية
تلعب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دوراً كبيراً في رسم ملامح هذه النقلة النوعية، حيث تتميز المملكة العربية السعودية بمكانتها الرائدة في العيادات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بينما تشتهر دولة الإمارات بالتحليلات التنبؤية في المستشفيات، وتبرز جهود مصر لتوسيع نطاق الاعتماد على التشخيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي في المجتمعات التي تعاني من نقص الخدمات؛ ويؤكد ذلك أهمية التكنولوجيا في تعزيز الخبرات البشرية، وتحسين وصول المرضى إلى الخدمات، والارتقاء بمستوى جودة الرعاية المقدمة.
لا يتمحور مستقبل قطاع الرعاية الصحية في المنطقة حول الاختيار بين العنصر البشري أو الآلي، بل يعتمد على الجمع بين خبرات الأطباء وقدرات الذكاء الاصطناعي، وضمان توزيع مزايا هذا التعاون بشكل عادل بين جميع فئات المجتمع. وعند التزام الحكومات ومزودي خدمات الرعاية الصحية والمبتكرين بتحقيق هذا التوازن، فإن المنطقة قد تشهد اعتماداً كلياً على الذكاء الاصطناعي ضمن القطاع، لتلعب بذلك دوراً عالمياً رائداً في رسم ملامح التعاون بين البشرية والتكنولوجيا لتوفير حياة صحية للجميع.


















