تُجسّد الصناعات الإبداعية الهوية الثقافية والقيم المجتمعية للدول، وتُسهم في تعزيز التواصل الإنساني عبر الفنون بمختلف أشكالها، من السينما والفنون الأدائية إلى التصميم والهندسة المعمارية. وتمثّل هذه الصناعات ركيزة اقتصادية عالمية، إذ تُسهم بنحو 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بإيرادات تُقدّر بـ2.3 تريليون دولار، وتوظّف 6.2% من القوى العاملة، غالبيتهم من الشباب. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تتصدر دولة الإمارات الاقتصاد الإبداعي بقيمة 13.7 مليار دولار، مدعومةً بمزيج من الإرث الثقافي والبنية التحتية المتقدمة واستراتيجيات داعمة للمواهب.
على سبيل المثال، تهدف الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى زيادة مساهمة الصناعات الإبداعية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2031، واستقطاب المواهب الإبداعية من جميع أنحاء العالم. وقد تطور التعبير عن الإبداع، ليدمج الاهتمامات المعاصرة والتقنيات والجماليات. ومع ذلك، تُحدث التقنيات الناشئة تحولاً جذرياً في هذا القطاع بطرقٍ شتى. ومن أبرز الأمثلة على هذا التحول:
- الذكاء الاصطناعي
تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل Claude وMidjourney وDALL-E، للمصممين استكشاف أفكار فريدة ومعقدة. ويمكنها أن تُسرّع عملية توليد الأفكار للفنانين وكتاب المحتوى والموسيقيين، وحتى صانعي الأفلام، من خلال إنشاء محتوى أولي بناءً على المعايير المُحددة. كما يُمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء نسخ متعددة ومُكررة من الأصول الإبداعية بشكل فوري، مما يُساعد المصممين على دمج ملاحظات الجمهور بوتيرة أسرع بكثير. من كتاب المحتوى إلى مصممي الجرافيك وصانعي الأفلام، مكّنت الإمكانات التوليدية للذكاء الاصطناعي المحترفين من توسيع آفاق الإبداع بكفاءة أكبر. إلى جانب توليد المحتوى، أثبت الذكاء الاصطناعي دوره المحوري في دعم الوظائف الإبداعية من خلال أتمتة التسويق، وتحليلات التنبؤ بالاتجاهات، ومعالجة الصور، وكلها عوامل تُسرّع الإنتاجية في القطاعات الإبداعية.
- الواقع المعزز والواقع الافتراضي
- يُعدّ كلٌّ من الواقع المعزز (AR) والواقع الافتراضي (VR) من التقنيات التي أعادت تعريف تجربة المستخدم في العصر الحديث. يُحسّن الواقع المعزز الواقع من خلال طبقات رقمية، بينما يُنشئ الواقع الافتراضي بيئات افتراضية بالكامل لاستكشافها، مما يُقدّم تجربة غامرة للمستهلكين. وسواءً أكان ذلك من خلال ألعاب تفاعلية أو حملات جذابة، فإن تطبيقات الواقع المعزز والواقع الافتراضي تُعزّز الابتكار في مجموعة واسعة من الصناعات. على سبيل المثال، يجري دمج الواقع المعزز والواقع الافتراضي في قطاعي الهندسة المعمارية والعقارات لمساعدة العملاء على تصوّر شكل المساحة قبل البدء بالبناء. كما تستخدم المعارض والمتاحف الواقع الافتراضي لتمكين الزوار من الدخول إلى اللوحة وتجربة الفن ثلاثي الأبعاد، مما يجعلها أكثر رسوخًا في الذاكرة وأكثر جاذبية. لا تُحسّن هذه التطبيقات رضا العملاء فحسب، بل تُشير أيضًا إلى توسيع فرص العمل للمهنيين المبدعين مثل المصممين، وفناني الرسوم المتحركة، والمهندسين المعماريين. لم تعد الصناعات الإبداعية بمثابة منصات سلبية للمستهلكين، بل أصبحت أكثر تفاعلية للمشاركين.
- تقنية البلوك تشين
تُعرف تقنية البلوك تشين بدورها في دعم العملات المشفرة، وهي أيضًا أداة فعّالة في القطاع الإبداعي. فهي عبارة عن سجل رقمي لامركزي يُسجّل المعاملات عبر شبكة من أجهزة الكمبيوتر، مما يضمن شفافية البيانات وأمانها وعدم قابليتها للتغيير. ويُعدّ هذا مفيدًا بشكل خاص في الصناعات التي يصعب فيها حماية الملكية الفكرية. فنظرًا لأن الفنانين غالبًا ما يواجهون صعوبة في حماية أعمالهم من الاستخدام غير المصرح به والقرصنة، تُقدّم تقنية البلوك تشين سجلًا غير قابل للتلاعب بالملكية، مما يُعزّز الثقة في جميع أنحاء القطاع. بالإضافة إلى ذلك، تُمكّن هذه التقنية الفنانين من إنشاء رموز غير قابلة للاستبدال (NFTs) لتمثيل أعمالهم الفنية الرقمية وموسيقاهم وفيديوهاتهم ومحتوياتهم الأخرى. ويمكن بيع هذه الرموز أو عرضها في مزادات على منصات البلوك تشين المختلفة، مما يسمح للفنانين بتحقيق الدخل من أعمالهم مباشرةً. علاوة على ذلك، يُمكن تضمين العقود الذكية في الرموز غير القابلة للاستبدال لضمان حصول الفنانين على نسبة من المبيعات المستقبلية، مما يُوفّر لهم تدفقًا مستمرًا للدخل كلما أُعيد بيع أعمالهم.
لا شك أن التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي والواقعين المعزز والافتراضي وتقنية البلوك تشين، تُحدث تحولاً جذرياً في الصناعات الإبداعية، من حيث إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه. فهي تعزز الكفاءة والشفافية، وتفتح المجال أمام شرائح أوسع للتعبير الإبداعي بغضّ النظر عن الخلفيات أو مستويات المهارة. ومع ذلك، تظل هناك تحديات تتعلق بالأصالة وفرص التوظيف والأثر البيئي، ما يستدعي تمكين الفنانين بالمعرفة التقنية إلى جانب الحفاظ على التميز الإبداعي لضمان تحقيق أقصى استفادة منها.
بقلم: الدكتور محمد المصلح – رئيس كلية التصميمات بجامعة هيريوت وات دبى
















