أظهرت أبحاث علمية حديثة أن البشر الأوائل تمكنوا من إشعال النار قبل مئات الآلاف من السنين. في فترة أقدم بكثير مما كان يعتقد سابقًا. وهو ما يمثل تحولًا مهمًا في فهم تطور السلوك الإنساني وقدرته المبكرة على التحكم في العناصر الطبيعية.
إشعال الإنسان للنار يعود إلى 400 ألف عام
ووفقًا لدراسة علمية نشرتها مجلة Nature، توصل فريق من علماء الآثار إلى أقدم دليل معروف حتى الآن على إشعال الإنسان للنار. يعود تاريخه إلى نحو 400 ألف عام، أي قبل ظهور الإنسان العاقل بزمن طويل، وقبل خروجه من أفريقيا بنحو 300 ألف عام.
وجاء هذا الاكتشاف في موقع “بارنهام” بشرق إنجلترا، على بعد نحو 140 كيلومترًا شمال شرق لندن. حيث عثر الباحثون على آثار لطين محروق وأدوات حجرية. من بينها فؤوس يدوية تعرضت لتشققات ناجمة عن درجات حرارة مرتفعة. ما يشير إلى استخدام متعمد ومتكرر للنار في هذا الموقع.
ولا يزال الجدل قائمًا بشأن هوية صانعي هذه النيران. في ظل عدم العثور على بقايا عظام بشرية بالموقع.

النار لعبت دورًا محوريًا في حياة البشر الأوائل
ووفقًا لوكالة الأنباء الفرنسية يرجح بعض الباحثين، من بينهم نيكولاس أشتون، أمين مجموعات العصر الحجري القديم في المتحف البريطاني وأحد المشاركين في الدراسة. أن يكون المستخدمون الأوائل للنار من إنسان النياندرتال المبكر. خاصة مع العثور سابقًا على جمجمة تعود لنياندرتال مبكر في منطقة سوانسكومب القريبة بوادي نهر التايمز، وتعود للفترة الزمنية نفسها.
وأشار “أشتون”، إلى أن هذا الاكتشاف قد يمثل جزءًا من صورة أوسع لم تكشف تفاصيلها بعد. موضحًا أن الموقع يتمتع بظروف جيولوجية وبحثية استثنائية ساعدت على حفظ هذا الدليل النادر. واصفًا إياه بأنه “أبرز اكتشاف في مسيرته المهنية”.
من جانبها، أكدت ميشيل لانجلي، عالمة الآثار بجامعة جريفيث الأسترالية، أن النار لعبت دورًا محوريًا في حياة البشر الأوائل، إذ ساعدتهم على طهي الطعام وزيادة قيمته الغذائية، فضلًا عن توفير الحماية من الحيوانات المفترسة والتدفئة، ما عزز فرص البقاء والاستقرار.
حرائق الغابات الطبيعية
ورغم ذلك، تشير الدراسات إلى أن البشر الأوائل لم يكونوا بحاجة دائمًا إلى إشعال النار بأنفسهم. إذ يرجح أنهم استفادوا في البداية من حرائق الغابات الطبيعية أو حافظوا على نيران مشتعلة لفترات طويلة. فيما يعرف بالاستخدام “الاعتيادي” للنار، وهو نمط تشير أدلة من أفريقيا والشرق الأوسط إلى أنه يعود لأكثر من مليون عام.

غير أن إشعال النار من الصفر يعد مهارة أكثر تعقيدًا، إذ يتطلب ضرب حجر الصوان بمعدن البيريت لإنتاج شرر قادر على إشعال الوقود، وكان الاعتقاد السائد سابقًا أن هذه القدرة لم تظهر إلا في فترة متأخرة نسبيًا. وقبل هذا الاكتشاف، كان أقدم دليل معروف على إشعال النار يعود إلى نحو 50 ألف عام في شمال فرنسا.
قطع نادرة من معدن البيريت
وتشير نتائج موقع بارنهام إلى أن هذه الممارسة بدأت قبل ذلك بمئات الآلاف من السنين. حيث عثر الباحثون على قطع نادرة من معدن البيريت، غير الشائع في المنطقة، ما يرجح أنه نقل خصيصًا لاستخدامه في إشعال النار.

وفي عام 2019، تمكن الفريق البحثي من العثور على ما وصفه بـ”الدليل الحاسم”، بعد اكتشاف موقد أو بقايا نار مخيم. أظهرت التحاليل تعرض التربة لتسخين متكرر عند درجات حرارة تجاوزت 700 درجة مئوية، وهو ما يستبعد فرضية الحرائق الطبيعية.
ورغم أهمية هذه النتائج، يؤكد العلماء أن ندرة الأدلة لا تعني بالضرورة ندرة استخدام النار. وإنما تعكس صعوبة حفظ آثارها في السجل الأثري عبر مئات الآلاف من السنين.
ويرجح الباحثون أن مواقع أخرى في أوروبا قد تحتوي على أدلة مماثلة لم يُنتبه إليها من قبل. فيما يواصل فريق البحث توسيع نطاق دراساته، سعيًا للكشف عن مزيد من الشواهد التي تسهم في فهم أعمق لتوقيت وكيفية تمكن البشر الأوائل من إشعال النار لأول مرة.


















