بعد أول تفجير.. هل القنابل النووية مفيدة للبشر؟

كيف ستؤثر الحرب النووية على كوكب الأرض؟
كيف ستؤثر الحرب النووية على كوكب الأرض؟

قام البشر، منذ ثمانين عامًا، بأول تفجير نووي في تاريخهم، والذي أطلق عليه اسم  “Trinity”. وقد فجرت أول قنبلة نووية في التاريخ فوق صحراء نيو مكسيكو. واليوم، لا يزال الإرث الخفي لتجارب القنابل النووية موجودًا في خلايانا. حيث إنه موجود في أسناننا وعيوننا، وحتي في أدمغتنا. يطلق العلماء على هذا التأثير نبضة القنبلة،  ولأكثر من نصف قرن، كانت آثارها جلية داخل جسم الإنسان.

ما أول تفجير نووي في العالم؟

في 16 يوليو 1945، فجّر علماء مشروع مانهاتن أول سلاح نووي، المعروف باسم اختبار ” Trinity “، في نيو مكسيكو. أضاء الانفجار الذي بلغت قوته 18.6 كيلوطن السماء، وأرسل موجة من الحرارة الحارقة عبر الصحراء. حيث ارتفعت كرة نارية عالية في السماء. في الأيام التالية، تساقطت رقائق بيضاء وغبار كثيف على المناطق الواقعة في اتجاه الريح. وحذر تقرير في ذلك الوقت، رفعت عنه السرية الآن، من انتشار الجسيمات المشعة على مساحة تزيد عن 6993 كيلومترًا مربعًا. وكان هذا الاختبار بمثابة إيذانًا ببداية العصر الذري.

Trinity

في الخمسينيات من القرن العشرين، كان هناك العديد من التفجيرات النووية فوق الأرض لدرجة أنها أدت إلى تغيير التركيب الكيميائي للغلاف الجوي. في هذا السياق،  تغير تكوين الكربون في الحياة على الأرض جنبًا إلى جنب مع المحيطات والرواسب كنتيجة مباشرة للتفجيرات النووية تلك.

آثار نبضة القنبلة

أثبتت الدراسات الحديثة أن نبضة القنبلة لم تكن مضرة على المستوي البشري بل كانت مفيدة من نواحٍ عدة. حتى إن البعض وصفه بـ” الجانب المشرق من سحابة الفطر”.

شكلت أدلة النبضة المنتشرة في كل مكان لدرجة أنها تمكّن علماء الطب الشرعي من تحديد تاريخ ميلاد الشخص (أو وفاته) بدقة. بل انها في الوقت ذاته تُتيح اكتشافات حول عمر الخلايا العصبية في أدمغتنا، وتكشف عن أصل الحيوانات البرية التي تم صيدها بشكل غير قانوني. كما أنها تُحدد العمر الحقيقي لأسماك القرش التي يبلغ عمرها قرونًا.

والآن قد يسهم ذلك أيضًا في تحديد حقبة جيولوجية جديدة. في يوليو 2023، أوصت مجموعة من علماء الجيولوجيا بأن وجود تأثير النبضة في بحيرة كندية قد يمثل البداية الرسمية لعصر الأنثروبوسين.

ذروة التجارب النووية

قبل أن تلزم معاهدة حظر التجارب النووية لعام ١٩٦٣ الدولَ الموقعة عليها باختبار القنابل النووية تحت الأرض، فجّرت الحكومات مئات الأسلحة النووية في الهواء الطلق. أكثر من ٥٠٠ من هذه الانفجارات، أجرتها الولايات المتحدة وروسيا بشكل رئيسي، أدّت إلى تناثر محتوياتها في الغلاف الجوي.

من المعروف بأن هذه التجارب نشرت المواد المشعة على نطاق واسع. ما أضرّ بالبشر والحياة البرية. وحول مناطق بأكملها الى مناطق غير صالحة للسكن. ولعلّ ما لا يعرف عنه الكثير خارج المختبرات العلمية هو أن القنابل تفاعلت أيضًا مع النيتروجين الطبيعي في الغلاف الجوي لتكوين نظائر جديدة، وخاصة الكربون-14.

دورة كربون 14  في الطبيعة

بحلول ستينيات القرن العشرين، أنتجت تجارب القنابل فوق الأرض ما يقارب من ضعف كمية الكربون-14 في الغلاف الجوي مقارنةً بالمستويات السابقة.

أولًا، تسرب هذا النظير إلى الماء والرواسب والنباتات، ثم انتقل عبر السلسلة الغذائية إلى البشر. حتى إنه وصل إلى الكائنات الحية في أعمق خندق في المحيط.

نسب مرتفعة من الكربون 14 وتأريخ جديد

بطبيعة الحال، تم تصنيف كل الكائنات والمواد التي تبادلت ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي منذ أواخر الخمسينيات من القرن العشرين على أنه قنبلة كربون-14.  وذلك استنادًا لبحث أجراه Walter Kutschera من جامعة فيينا، الذي نشر فيه مراجعة للتطبيقات العلمية للارتفاع المفاجئ في مجلة Radiocarbon في عام 2022.

في منتصف القرن العشرين، لاحظ العلماء ارتفاعًا حادًا في مستويات الكربون-14 عند توقف التجارب الجوية. لكن الأمر استغرق عقودًا حتى أدركوا أن هذه المستويات المرتفعة قد تكون مفيدة. منذ خمسينيات القرن العشرين حتي الوقت الراهن، كانوا العلماء يستخدمون الكربون-14 لتأريخ بقايا العصر الحجري القديم أو النصوص القديمة. حيث يعتمد ذلك على تحلله الإشعاعي والمعروف باسم التأريخ بالكربون المشع. حيث يتحلل كربون 14 ببطء الى نيتروجين بنصف عمر يبلغ 5730 عامًا.

التفاعل النووي الانشطاري المستخدم في القنابل والتجارب النووية

أول تفجير نووي وتحديد عمر الكائنات

مع ذلك، يقتصر تأريخ الكربون المشع عادةً على العينات التي يزيد عمرها عن 300 عام، نظرًا لبطء معدل تحلل النظير. أما إذا كان عمره أصغر من ذلك، فلن يكون قد تحلل بما يكفي لتحديد تاريخ دقيق. ومما يزيد من تعقيد التأريخ الحديث هو إدخال البشرية كميات إضافية من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية – وهو ما يعرف بتأثير سوس Suess effect.

ومع ذلك، في مطلع القرن العشرين، أدرك الباحثون أن نبضة القنبلة يمكن أن يساعدهم في استخدام الكربون 14 بطريقة مختلفة – والأهم من ذلك أنه يسمح بتحديد التاريخ خلال السنوات السبعين أو الثمانين الماضية.

منذ ذروة الخمسينيات، انخفضت مستويات هذا النظير في الطبيعة (وفي البشر) تدريجيًا. وبالتالي، يستطيع العلماء تحليل نسب الكربون-14 في أي مادة عضوية تبادلت الكربون الجوي منذ التجارب، وتحديد الفترة التي تشكلت فيها، بدقة تتراوح بين عام وعامين.

التفجيرات النووية والتحليل الجنائي

 

إذا كنتَ قد ولدتَ في خمسينيات القرن الماضي بعد أول تفجير نووي، فستكون أنسجتك قد تراكمت فيها كميات من الكربون-14 أكبر من طفلٍ وُلِد في ثمانينيات القرن الماضي، لكن المستويات تقترب الآن فقط من مستواها قبل التجارب النووية.

تفجير نووي فوق الأرض

 

كان من أوائل استخدامات “نبضة القنبلة” مساعدة محققي الجرائم في تحديد عمر رفات بشرية مجهولة الهوية. وقد وجد علماء الطب الشرعي إمكانية قياس نسبة الكربون-14 في الأسنان والعظام والشعر وحتى عدسة العين للمساعدة في تقدير عمر الشخص أو تاريخ وفاته، وذلك وفقًا Eden Centaine Johnstone-Belford من جامعة Monash و Blau Soren من المعهد الفيكتوري للطب الشرعي في أستراليا.

في مراجعةٍ أجريت عام ٢٠١٩، استشهد العالمتان بأمثلةٍ متعددةٍ ساهم فيها ارتفاع تأثير التفجيرات النووية في إثراءِ تحقيقاتِ الشرطة. فعلى سبيل المثال، في عام ٢٠١٠، استخدمَ المحققون هذهِ الظاهرة لتأكيد أنَّ جثة عثرَ عليها في بحيرةٍ شمالِ إيطاليا قد ألقاها القاتل هناك في العامِ السابق.

تشير الباحثتان أيضًا إلى أن معرفة الوقت منذ الوفاة قد يكون “عاملًا حاسمًا في قضايا انتهاكات حقوق الإنسان، مثل جرائم الحرب والإبادة الجماعية والقتل خارج نطاق القضاء”. ففي عام ٢٠٠٤، على سبيل المثال، سمح تأريخ عينات شعر من مقبرة جماعية في أوكرانيا باستخدام القنابل، للمحققين بتحديد جريمة حرب نازية وقعت بين عامي ١٩٤١ و١٩٥٢.

استخدامات القنبلة الشوكية المتعددة

فتحت ظاهرة “نبضة القنبلة” الباب لاكتشافات علمية جديدة، كاشفةً عن رؤى جديدة حول خلايا أجسامنا وأدمغتنا. في عام ٢٠٠٥، أظهرت عالمة الأحياء Kirsty Spalding من معهد Karolinska في السويد وزملاؤها إمكانية تحديد الأعمار النسبية لخلايانا من خلال تحليل نظير الكربون-١٤ المتفجر في حمضها النووي. وفي دراسات لاحقة عديدة، استخدمت هذه التقنية للإجابة على سؤال ما إذا كانت خلايا معينة في أجسامنا موجودة منذ الولادة، أم أنها تستبدل باستمرار.

على سبيل المثال، في عام ٢٠٠٨، أظهرت Spalding وزملاؤها أن الجسم يستبدل باستمرار خلايا دهنية تسمى الخلايا الشحمية عند موتها . ووجدت أيضًا أن عدد هذه الخلايا الدهنية يبقى ثابتًا طوال مرحلة البلوغ. ما يبشر بأساليب جديدة لمعالجة السمنة. وتقول: “إن إدراك أن هذه العملية الديناميكية يفتح آفاقًا جديدة للعلاج. وهي التي قد تشمل التلاعب بمعدل ولادة أو موت الخلايا الدهنية. بالتزامن مع ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي، للمساعدة في تقليل عدد الخلايا الدهنية في حالات السمنة”.

اكتشافات علمية مبنية على نبضة القنبلة

في عام ٢٠١٣، استخدمت Spalding وزملاؤها أيضًا تحليل “نبضة القنبلة” لدراسة  خلايا الدماغ. لسنوات عديدة، افترض الباحثون أن عدد الخلايا العصبية ثابت في مرحلة الطفولة. وبالفعل أشارت أبحاثها السابقة إلى أن هذا هو الحال في مناطق مثل القشرة المخية. ومع ذلك، باستخدام الكربون-١٤ لتأريخ الخلايا العصبية داخل الحصين hippocampus. أكدت هي وفريقها أن خلايا عصبية جديدة قد تنتج هناك طوال مرحلة البلوغ.

أكدت أبحاث أخرى وجود “تكوين الخلايا العصبية لدى البالغين” كأحد أهم اكتشافات علم الأعصاب في العشرين عامًا الماضية. ورغم أن هذا العلم لم يحسم بعد. إلا أنه اقترح سبلًا جديدة لإستراتيجيات طبية قد تمنع فقدان الخلايا العصبية بسبب المرض. أو حتى تزيد من إنتاج خلايا عصبية جديدة.

الرابط المختصر :