“الحمام” رمز للسلام والحرية والنقاء في الثقافات العالمية، ولكن طريقة تعايشه اتخذ منها العلماء وسيلة لدراسة وتطوير علوم الرياضيات والكومبيوتر، حتى التشفير لحماية البيانات. فيما يعرف بـ”نظرية التعقيد” “Complexity Theory”.
نظريات رياضية مستوحاة من أبراج الحمام
هناك مثل يقول: “عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة”، غير أن علماء الحاسوب يعتبرون عصفورين في عش واحد أفضل.
ذلك لأن هذين الطائرين المتعايشين هما أساس نظرية رياضية بسيطة تُسمى “مبدأ أماكن الحمام أو التصنيف” Pigeonhole Principle.
من السهل تلخيصها في جملة واحدة بديهية للغاية: “إذا عاشت ست حمامات في خمس أعشاش. فلا بد أن يتشارك اثنان منها على الأقل في عش”.
يقول Christos Papadimitriou؛ عالم الحاسوب في جامعة كولومبيا: “مبدأ التصنيف نظرية تثير الابتسام. إنه مادة رائعة للنقاش. ومع ذلك لا يعد ليس حكرًا على الطيور. فرغم أنه يبدو بسيطًا للغاية، أصبح أداة فعالة للباحثين المنخرطين في علوم الحاسوب النظرية.

ويمكن شرح المبدأ في الحياة العملية ببساطة. وينطبق “التصنيف” على أي حالة تصنف فيها العناصر إلى فئات. ويكون عددها أكبر من الأماكن المتاحة.
لنعطي مثالًا على ذلك بشيء مألوف للجميع: لفنترض أن هناك ملعب كرة قدم يتسع إلى 30 ألفًا من المشجعين ولا يمكنهم المرور إلا بكلمة سر مكونة من أربعة أرقام.
في هذه الحالة تكون الأرقام المتاحة منحصرة بين 0000 و 9999 أي عشرة آلاف رقم. هنا من المؤكد تكرار أرقام المرور لبعض المشجعين. وذلك لأن الاحتمالات المتاحة أقل بالمقارنةً بالعدد الإجمالي للأشخاص. لذا؛ يجب أن يكون لدى بعض الأشخاص نفس الأرقام.
نظريات التعقيد الحسابي
في عالم الرياضيات، تكون الطرق الرياضية لحل مشكلة ما في العادة بناءة بمعنى أنها تعطي طريقة تمكن من إيجاد الحل. كطريقة إيجاد مجهول حسابي ما عن طريق المعادلات.
غير أن هناك طرقًا أخرى تكون غير بناءة، مثل نظرية التصنيف السابقة. حيث في مثال ملعب كرة القدم السابق هناك معلومات عن تكرار الرمز دون طريقة لمعرفة من يمتلكه.
وبالطبع يمكننا سؤال الجمهور ومعرفة الأرقام. غير أن ذلك ليس عن طريق المبدأ نفسه وإنما باختبار منفصل.
أسئلة كهذه، حول أسهل وأدق الطرق لحل المشكلات، تشكل جوهر فرع علوم الحاسوب المعروف بنظرية التعقيد الحسابي.
يدرس مُنظرو التعقيد هذه الأسئلة بتصنيف المشكلات إلى فئات، بناءً على خصائص مشتركة محددة.
أحيانًا، تكون الخطوة الأولى نحو تحقيق إنجاز ما، ببساطة تعريف فئة جديدة لتوحيد المشكلات التي لم يدرسها الباحثون معًا من قبل.
هذا ما حدث في تسعينيات القرن الماضي، عندما بدأ Papadimitriou وغيره من منظري التعقيد دراسة فئات جديدة من المسائل. حيث يكون الهدف إيجاد شيء لابد من وجوده، بفضل مبدأ “التصنيف”.
وقد أدى هذا النهج من العمل إلى تقدم مهم في مجالات مختلفة من علوم الحاسوب، من التشفير إلى نظرية الألعاب الخوارزمية.

التفكير في الحلول المتاحة وغير المتاحة
بحلول يناير 2020، كان Papadimitriou يفكر في مبدأ “أماكن الحمام” لمدة 30 عامًا. لذا؛ فوجئ عندما قادته محادثة مرحة مع زميل له إلى تحريف بسيط للمبدأ لم يفكرا فيه قط، وهو: ماذا لو كان عدد الحمامات أقل من عدد العشش؟ في هذه الحالة، يجب أن يترك أي ترتيب للحمامات بعض العشش الفارغة.
مرة أخرى، يبدو الأمر بديهيًا. ولكن هل لعكس مبدأ “أماكن الحمام “أي عواقب رياضية مثيرة للاهتمام؟
قد يبدو هذا المبدأ، الذي يسمى “التصنيف الفارغ”. ولكنه يختلف بشكل دقيق جعله أداة جديدة ومثمرة لتصنيف المسائل الحسابية.
لفهم مبدأ “التصنيف الفارغ”، لنعد إلى مثال الملعب، فلنفرض بأن الحضور 3 آلاف فقط. وهو عدد أقل من إجمالي أرقام التعريف الشخصية الأربعة المحتملة.
وبناء على ذلك. ينص مبدأ “الخانة الفارغة” على أن بعض أرقام التعريف الشخصية المحتملة لن يتم اختيارها بالأساس.
فإذا أردت العثور على أحد أرقام التعريف الشخصية المفقودة، فلا يبدو أن هناك طريقة أفضل من سؤال كل شخص عن رقمه. حتى الآن، لا يختلف مبدأ “الخانة الفارغة” عن نظيره الأكثر شهرة.
يكمن الفرق في صعوبة التحقق من الحلول. تخيل أن أحدهم يدعي أنه عثر على شخصين محددين في ملعب كرة القدم، يحملان نفس رقم التعريف الشخصي.
في هذه الحالة هناك طريقة بسيطة للتحقق من هذا الادعاء: ما عليك سوى التحقق من الشخصين المعنيين.
أما في الحالة الثانية؛ حيث الأفراد أقل من المقاعد، تخيل أن أحدهم يؤكد عدم وجود رقم تعريف شخصي يحمل 6666 مثلًا، لدى أي شخص.
هنا، يستحيل التحقق دون سؤال جميع الحضور عن الرقم. وهذا يجعل مبدأ التصنيف الفارغ أكثر تعقيدًا لمنظري التعقيد.
وتعد تلك النظريات وغيرها مهمة جدًا في معرفة أكثر الطرق مباشرة في حل المعضلات. سواء في عالم الكومبيوتر أو التشفير أو الرياضيات بصفة عامة.
















