«ميتا» و«إنفيديا» تطلقان نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة.. هل تبدأ أمريكا معركة جديدة ضد الصين؟

ميتا

دخلت المنافسة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان مرحلة جديدة. بعدما انتقلت شركتا «ميتا» و«إنفيديا» من دعم فكرة إبقاء هذه النماذج مفتوحة أمام المطورين إلى طرح نماذج فعلية يمكن تنزيلها واستخدامها.

فيما يعد ذلك خطوة تحمل أبعادًا تقنية واقتصادية وسياسية تتجاوز مجرد إطلاق منتجات جديدة.

في حين جاء التحرك بعد أسابيع من اجتماع عدد من كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية. للدعوة إلى عدم فرض قيود مبكرة وواسعة على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان، حتى تلك المطورة في الصين.

بينما يأتي هذا وسط مخاوف من أن تؤدي القيود الصارمة إلى إضعاف قدرة الشركات الأمريكية على المنافسة. ومنح عدد محدود من الشركات سيطرة أكبر على سوق سريعة النمو.

في المقابل، يرى منتقدون أن الانفتاح الكامل على هذه النماذج. خصوصًا الصينية، قد يطرح تحديات تتعلق بالأمن القومي وحماية البيانات والملكية الفكرية.

لماذا تعود الشركات الأمريكية إلى النماذج المفتوحة؟

نشرت مجموعة من شركات التكنولوجيا الأميركية في 24 يوليو رسالة مفتوحة. دعت فيها صناع السياسات إلى تجنب القيود المبكرة على نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان.

كما اعتبر الموقعون أن هذه النماذج يمكن أن توسع نطاق الاستفادة من الذكاء الاصطناعي. وتعزز المنافسة والابتكار، وتدعم الريادة التكنولوجية الأمريكية، بدلًا من حصر التكنولوجيا المتقدمة داخل عدد محدود من الشركات.

وبعد أيام قليلة بدأت ميتا وإنفيديا ترجمة هذا الموقف إلى خطوات عملية. عبر إطلاق نماذج مفتوحة يمكن للمطورين تنزيلها وفحصها وتوظيفها في تطبيقاتهم.

ما الفرق بين الذكاء الاصطناعي المفتوح والمغلق؟

في حين تعتمد شركات مثل OpenAI وAnthropic بصورة أساسية على نماذج مغلقة. إذ لا تتيح للمستخدمين والمطورين الوصول الكامل إلى المكونات الداخلية للنموذج.

أما النماذج مفتوحة الأوزان فتتيح للمطورين الوصول إلى الأوزان التي تحدد الطريقة التي يعالج بها النموذج المعلومات ويولد بها مخرجاته.

شعار شركة ميتا وفي الخلفية اختصار مصطلح الذكاء الاصطناعي (رويترز)

وهذا يفتح المجال أمام تشغيل النموذج محليًا. وتخصيصه، وتعديله، ودمجه في منتجات مختلفة، بحسب شروط الترخيص.

لكن هناك فارقًا مهمًا بين «مفتوح الأوزان» و«مفتوح المصدر»؛ فإتاحة الأوزان وحدها لا تعني بالضرورة نشر جميع بيانات التدريب وكود التدريب والأدوات المستخدمة لبناء النموذج.

«ميتا» تعود إلى الرهان على النماذج المفتوحة

أطلقت «ميتا» نموذج Muse Glimmer ضمن توجه جديد لإعادة تعزيز حضورها في منظومة الذكاء الاصطناعي مفتوح الأوزان.

كما أعلن الرئيس التنفيذي مارك زوكربيرج أن الشركة تتيح أوزان أحدث نماذجها Muse Spark 1.2، في محاولة لبناء منظومة جديدة من المطورين حول نماذج الشركة.

ولا تعد هذه التجربة الأولى لميتا مع النماذج المفتوحة؛ إذ شكلت عائلة Llama لسنوات أحد أبرز رهانات الشركة في سوق نماذج الذكاء الاصطناعي الأساسية.

لكن إطلاق Llama 4 في عام 2025 لم يحقق الاستجابة التي كانت تتطلع إليها الشركة. ما دفعها إلى إعادة ترتيب إستراتيجيتها في مجال الذكاء الاصطناعي والاستثمار بصورة أكبر في تطوير نماذج جديدة.

«إنفيديا» تدخل المنافسة بنموذج مفتوح

بعد ميتا بيوم، كشفت «إنفيديا» عن Nemotron 3.5 Lightning، ضمن عائلة Nemotron التي تعمل الشركة على تطويرها.

وتحاول إنفيديا من خلال هذه الخطوة توسيع دورها في منظومة الذكاء الاصطناعي؛ بحيث لا تقتصر مكانتها على توفير الشرائح والمعالجات التي تحتاجها مراكز البيانات لتشغيل النماذج، وإنما تمتد إلى تطوير النماذج نفسها.

وتقول الشركة إن نماذجها المفتوحة توفر للمطورين إمكانية فحص الأوزان وبيانات وأساليب التدريب المرتبطة بها، وهو ما يمنح المستخدمين درجة أكبر من الشفافية والتحكم مقارنة بالنماذج المغلقة.

الصين تفرض نفسها في سباق النماذج المفتوحة

وراء التحرك الأمريكي توجد منافسة واضحة مع مختبرات الذكاء الاصطناعي الصينية.

فنماذج مثل DeepSeek وQwen التابع لعلي بابا، إلى جانب نماذج أخرى من مختبرات صينية، استطاعت جذب اهتمام المطورين عالميًا بفضل إتاحة نماذج يمكن تشغيلها وتخصيصها بدل الاعتماد على خدمات مغلقة.

وهنا تظهر أهمية النماذج الأمريكية مفتوحة الأوزان بالنسبة للشركات والمؤسسات التي قد تكون مترددة في الاعتماد على نموذج صيني بسبب اعتبارات تتعلق بالبيانات أو الأمن أو السياسات الداخلية.

لماذا تخشى واشنطن من النماذج الصينية؟

يمثل انتشار النماذج الصينية مفتوحة الأوزان تحديًا مختلفًا عن النماذج التقليدية.

وحتى إذا فرضت الولايات المتحدة قيودًا على استخدام بعض الخدمات الصينية، فإن النموذج المفتوح الذي يمكن تنزيل أوزانه وتشغيله محليًا يصعب التعامل معه بالطريقة نفسها التي يمكن بها تقييد خدمة سحابية مركزية.

ولهذا تبرز مخاوف تتعلق باستخدام النماذج في قطاعات حساسة، فضلًا عن قضايا حماية البيانات والأمن القومي.

لكن فرض قيود واسعة على جميع النماذج مفتوحة الأوزان قد يؤدي، وفق الشركات المؤيدة للانفتاح، إلى إضعاف المطورين الأمريكيين وإعطاء الشركات التي تملك نماذج مغلقة نفوذًا أكبر على السوق.

«التقطير» يفتح جبهة جديدة في المعركة

ومن أكثر الملفات إثارة للجدل في سباق الذكاء الاصطناعي تقنية التقطير.

وتستخدم هذه التقنية في تدريب وتحسين النماذج. عبر الاستفادة من مخرجات نموذج قوي لتطوير نموذج آخر أصغر أو أكثر كفاءة.

ويرى مؤيدوها أنها أداة تقنية شائعة لتحسين أداء النماذج واختبارها، بينما يرى منتقدون أن بعض تطبيقاتها قد تثير تساؤلات بشأن الملكية الفكرية، خصوصًا عندما يتم تدريب نموذج منافس اعتمادًا بصورة واسعة على مخرجات نموذج آخر.

ومن هنا أصبحت تقنية التقطير جزءًا من النقاش الأوسع حول حدود المنافسة المشروعة في سوق الذكاء الاصطناعي.

«ميتا» أمام اختبار صعب.. استعادة ثقة المطورين

رغم قوة الأسماء الموجودة خلف النماذج الأمريكية الجديدة، فإن نجاحها لن يتوقف على مستوى أدائها التقني فقط.

وتواجه ميتا تحديدًا تحدي استعادة ثقة المطورين، بعد انتقالها في بعض مراحل إستراتيجيتها من النماذج مفتوحة الأوزان إلى نماذج أكثر انغلاقًا.

ويرى منتقدون أن المطورين الذين بنوا تطبيقاتهم ومشروعاتهم على أساس إستراتيجية ميتا المفتوحة قد يترددون في العودة مرة أخرى، خشية تغير توجه الشركة مستقبلًا.

وهذا يعني أن ميتا بحاجة إلى إثبات أن عودتها إلى النماذج المفتوحة ليست خطوة مؤقتة، وإنما إستراتيجية طويلة الأجل.

النماذج الأمريكية قد تكسب المؤسسات المترددة في النماذج الصينية

في المقابل، يمثل وجود نماذج أمريكية مفتوحة فرصة كبيرة أمام الشركات التي تحتاج إلى قدر أكبر من التحكم في البيانات والتكنولوجيا.

وقد تجد بعض المؤسسات الحكومية والمالية والصناعات الحساسة نفسها أكثر استعدادًا لتجربة نموذج مفتوح من شركة أمريكية بدل استخدام نموذج صيني مفتوح. بسبب طبيعة البيانات والقيود التنظيمية المرتبطة بعملها.

وهنا يمكن أن تتحول المنافسة على النماذج المفتوحة إلى ميزة تجارية واستراتيجية للشركات الأمريكية.

لماذا يهتم المطورون بالنماذج المفتوحة؟

بالنسبة إلى المطورين والشركات، لا تتعلق أهمية النماذج مفتوحة الأوزان بمجرد الحصول على نموذج مجاني، وإنما بمجموعة من المزايا، أبرزها:

  • إمكانية تخصيص النموذج وفق احتياجات الشركة.
  • تشغيله داخل البنية التحتية الخاصة بالمؤسسة.
  • تحكم أكبر في البيانات.
  • تقليل الاعتماد على مزود واحد.
  • إمكانية تطوير تطبيقات جديدة فوق النموذج.
  • مرونة أكبر في اختيار طريقة التشغيل والتكلفة.

ولهذا فإن النموذج الذي ينجح في بناء مجتمع واسع من المطورين حوله قد يمتلك ميزة تنافسية كبيرة حتى لو لم يكن الأقوى في كل اختبارات الأداء.

الرابط المختصر :