حذرت دراسة جديدة من غرق الإسكندرية، وهي مدينة مصرية منذ تأسيسها على يد الإسكندر الأكبر وحتى ميلاد كليوباترا. كانت هذه المدينة القديمة موقعًا لبعض أهم لحظات التاريخ.
إلا أن ذلك لم يشفع لها في مواجهة التغيرات المناخية العنيفة. التي يعيشها العالم حاليًا. ولا سيما المدن المطلة على البحار والمحيطات، ومنها بالطبع تلك المدينة الملقبة بـ “عروس البحر المتوسط”.
دراسة تحذر من غرق مدينة الإسكندرية
السنوات الأخيرة شهدت حديثًا متكررًا عن احتمالات غرق مدينة الإسكندرية، ضمن عدد من المدنة الساحلية الأخرى على البحر المتوسط.
فما حقيقة هذا الاحتمال؟ وهل هناك أدلة علمية قادرة على تؤيد هذا الطرح. بشكل يجعله واقعًا منتظرا؟
وأظهرت دراسة صدرت نتائجها حديثًا، أن احتمالات غرق الإسكندرية، ربما تكون أمرا أقرب إلى الحدوث. مشيرة إلى أن عروس المتوسط تشهد ارتفاعًا كبيرًا وواضحًا في معدلات انهيارات المباني. وأن المدينة تختفي الآن تدريجيًا.
وفي العقد الماضي وحده، تسارع معدل الانهيارات على أراضي الإسكندرية من انهيار واحد في العام. إلى نحو 40 انهيارًا في السنة، مع زحف للمياه المالحة إلى أعلى تحت أساسات المدينة.
وعلى مدى السنوات العشرين الماضية، تعرض 280 مبنى للتدمير. بسبب التآكل الساحلي، مع وجود 7000 مبنى آخر معرضا لخطر الانهيار في المستقبل.
وتقول سارة فؤاد، المؤلفة الرئيسية للدراسة، وهي مهندسة مناظر طبيعية في الجامعة التقنية بميونيخ. إنه على مدى قرون، ظلت هياكل الإسكندرية تمثل عجائب في الهندسة المرنة. حيث تمكنت من تحمل الزلازل، والعواصف، والتسونامي، وأكثر من ذلك.
أما الآن، فإن ارتفاع مستوى سطح البحر، وتكاثف العواصف، بسبب تغير المناخ. يهددان ما استغرق آلاف السنين من الإبداع البشري لإنشائه خلال عقود من الزمن.
وبينما تباهت الإسكندرية، على مدار قرون، بمكانها على البحر، وبأنها الثغر الرئيسي للدولة المصرية، والمركز التجاري الأشهر للشحن والسفن، أصبح هذا الموقع الجغرافي عامل تهديد خطير. لا سيما مع زحف البحر بسرعة نحوها، تحت تأثير ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض، جراء تراكم الغازات المسببة. المترتبة على الاحتباس الحراري داخل الغلاف الجوي.
ومع ارتفاع درجة حرارة المياه، جراء الاحتباس الحراري، فإنها تتمدد أيضا، وعندما تتحد مع المياه العذبة المضافة من الصفائح الجليدية التي تذوب بسرعة. فإنها تدفع مستوى سطح البحر إلى الارتفاع.
وبحسب الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي “NOAA”. ارتفع مستوى سطح البحر ما بين 20، و23 سنتيمترًا، منذ عام 1880. مع ارتفاع قدره 10 سنتيمترات منذ عام 1993 وحده.
غرق المدن الساحلية
وتوقعت دراسة حديثة، أجرتها جامعة نانيانج التكنولوجية في سنغافورة، أن يرتفع مستوى سطح البحر العالمي، بمقدار مذهل يبلغ “1.9 متر”، بحلول عام 2100. إذا استمرت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بالزيادة.
وفي حين دمج الباحثون صور الأقمار الصناعية مع الخرائط التاريخية، لمعرفة مدى سرعة اختفاء ساحل المدينة منذ ثمانينيات القرن الـ 91. وهو ما أوضح أن مدينة الإسكندرية القديمة صارت الآن معرضة لخطر الاختفاء في البحر.
وبحسب تقرير موقع dailymail، الذي اطلعت عليه عالم التكنولوجيا، فإن صور الأقمار الاصطناعية، المقارنة بالصور التاريخية، أكدت أن خط الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، تراجع عشرات الأمتار، عن موقعه في ثمانينيات القرن التاسع عشر. كما فقدت بعض أجزاء مدينة الإسكندرية، نحو 3.6 مترًا من ساحلها كل عام، طوال تلك المدة.
ويقول الدكتور عصام حجي. أحد مؤلفي الدراسة، وعالم المياه بجامعة جنوب كاليفورنيا: “إننا نشهد اختفاءً تدريجيًا للمدن الساحلية التاريخية. والإسكندرية تدق ناقوس الخطر”، مضيفا: “ما بدا ذات يوم مخاطر مناخية بعيدة ومحتملة. أصبح الآن حقيقة واقعة”.
ولكن ارتفاع مستوى سطح البحر لا يحتاج إلى أن يكون دراماتيكيا حتى يؤدي إلى عواقب كارثية. هذا ما أكده الدكتور “هيجي”، عالم المياه بجامعة جنوب كاليفورنيا، قائلا: “الدراسات الحديثة تتحدى المفهوم الخاطئ الشائع. الذي يقول إننا لن نحتاج إلى القلق إلا عندما يرتفع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد”.
وأوضج أن ارتفاعات مستوى سطح البحر، بمقدار بضعة سنتيمترات فقط. كفيل بإثارة موجة خطر كبيرة جراء الفيضانات المحتملة. متابعا: “الأهم من ذلك أن هذا الارتفاع، الذي يبدو بسيطا ظاهريا، يسمح للمياه المالحة بالتغلغل بشكل أكبر في المدن الساحلية، وبالتالي يرتفع معدل المياه الجوفية المالحة. بحيث تتلامس مع أساسات المباني، وتقوضها بمرور الوقت.
وكالة ناسا
باحثو الدراسات التي تؤكد تآكل شواطئ الإسكندرية، أخذوا عينات من التربة حول المدينة. ودرسوا البصمة الكيميائية المرتبطة بتسرب المياه المالحة. وهو ما يقول عن البروفيسور إبراهيم صالح، عالم التربة من جامعة الإسكندرية، المشارك في الدراسة. إن تحليل النظائر كشف عن أن المباني تنهار من الأسفل إلى الأعلى، حيث يؤدي تسرب مياه البحر إلى تآكل الأساسات، وإضعاف التربة.
وحتى في المناطق التي تبعد كيلومترين عن الساحل، كانت هناك زيادة مقلقة في انهيار المباني. وهو ما يعزى إلى أن ارتفاعًا طفيفًا في مستوى سطح البحر. سمح للمياه المالحة بالوصول إلى أساسات المباني الواقعة في مناطق أبعد.
وأظهر التحليل الكيميائي أن تسرب المياه المالحة أدى إلى ارتخاء التربة. مما أضعف الأرض تحت الهياكل المبنية.
ومن المثير للقلق أن الباحثين يشيرون إلى أن هذه المشاكل ليست فريدة من نوعها في الإسكندرية. إنما تواجهها المدن الساحلية في جميع أنحاء العالم.
وتوصلت دراسة حديثة أجرتها وكالة ناسا الأمريكية، إلى أن أجزاء من كاليفورنيا، بما في ذلك سان فرانسيسكو، تغرق حرفيًا في المحيط. وبسرعة أكبر من ارتفاع مستوى سطح البحر نفسه.
ومع انخفاض الانهيارات الأرضية نحو مستوى سطح البحر. تصبح المياه المالحة قادرة على اختراق المزيد من المناطق الداخلية، وتقويض المزيد من المباني. ولمعالجة هذه القضايا، يقترح الباحثون عددًا من الحلول الممكنة، بما في ذلك: بناء الكثبان الرملية على طول الساحل، ورفع المباني. ونقل الناس من المناطق الأكثر عرضة للخطر.



















