في عصر تتسابق فيه المؤسسات نحو تبني خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلّم العميق، غالباً ما تصطدم الأحلام النمطية بالواقع المعقد لإعادة هندسة العمليات البشرية والمؤسسية.
بين البريق الترويجي للتقنية والتحديات الفعلية على أرض الواقع، يقف قادة الأعمال أمام مفترق طرق حاسم: كيف نحول البيانات إلى قيمة حقيقية، ومتى ندرك أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي لصناعة الفارق؟
في هذا الحوار، نلتقي بأحد أبرز العقول الأكاديمية التي تفكك هذه المعادلة؛ البروفيسور نيكوس سافا، أستاذ علوم الإدارة والعمليات والمدير الأكاديمي لمبادرة علوم البيانات والذكاء الاصطناعي في كلية لندن للأعمال (LBS). لنقترب أكثر من رؤيته العميقة حول الفجوة بين الوعود والنتائج، وكيف يمكن للمؤسسات التنقل بذكاء وسط عاصفة التحول الرقمي وإعادة صياغة مستقبل الإدارة والقرار الإستراتيجي.
- هل أصبحت القيادة هي الفارق الحقيقي في سباق تبنّي الذكاء الاصطناعي؟
تزداد أهمية القيادة في فترات التحوّل السريع، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من ذلك. فمع تحوّل الذكاء الاصطناعي تدريجياً إلى سلعة متاحة للجميع، باتت المؤسسات قادرة على الوصول إلى النماذج والأدوات ذاتها إلى حدٍّ كبير. ولذلك، فإن الفارق الحقيقي سيكون في كيفية توظيفها لهذه الأدوات: أين تطبّق الذكاء الاصطناعي، وكيف تعيد تصميم العمل، ومدى فاعليتها في حشد موظفيها حوله.
وهذا ما يجعل التحوّل نحو الذكاء الاصطناعي تحدّياً قيادياً، لا مجرد تحدٍّ تقني. فالمؤسسات التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مبادرة تخص قسم تقنية المعلومات تخاطر بإهدار إمكاناته الأوسع، في حين أن المؤسسات التي يقود فيها كبار القادة عملية التحوّل بشكل فاعل تكون في موقع أفضل لتحويل إتاحة الذكاء الاصطناعي إلى قيمة أعمال حقيقية.
- ما الذي يميّز القادة القادرين على تسخير الذكاء الاصطناعي بفاعلية عن أولئك الذين يكتفون بالاستثمار في التقنية؟
يكمن الفارق في ما إذا كان القادة ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين المهام الفردية، أم كفرصة لإعادة التفكير في طريقة عمل المؤسسة ككل. وتتزايد الأدلة على أن الذكاء الاصطناعي يساعد الموظفين على إنجاز أعمالهم بسرعة أكبر، وعلى تقديم عمل أعلى جودة في بعض الحالات. غير أن هذه المكاسب لا تنعكس تلقائياً على أداء المؤسسة بشكل ملموس.
فالقادة الأكثر فاعلية لا يبدأون بالتقنية، بل بالتحدي الذي يسعون إلى معالجته والقيمة التي يريدون تحقيقها، ثم ينظرون في كيفية إعادة بناء منظومة العمل في ضوء الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي؛ سواء عبر خفض تكلفة بعض المهام بصورة كبيرة، أو إتاحة ما لم يكن ممكناً من قبل. ومن هنا، تتجاوز الفرصة الحقيقية مجرد أتمتة المهام، لتصل إلى إعادة التفكير في أساليب العمل وكيفية ابتكار القيمة وتقديمها.
- لماذا تواجه بعض المؤسسات صعوبة في تحويل استثماراتها في الذكاء الاصطناعي إلى قيمة أعمال ملموسة؟
من الأخطاء الشائعة إدخال الذكاء الاصطناعي في العمليات القائمة دون إحداث تغيير جوهري في طريقة عملها. وقد يحقق ذلك مكاسب تدريجية في الكفاءة، لكنه نادراً ما يحقق قيمة تحوّلية. وبالمثل، فإن تزويد الموظفين بأدوات الذكاء الاصطناعي والتدريب عليها، وانتظار أن يبرز الابتكار بشكل تلقائي، قد يُفضي إلى تطبيقات مفيدة، إلا أنها غالباً ما تبقى محدودة النطاق ومنعزلة.
أما التحدي الأكبر فهو تنظيمي بالدرجة الأولى: تحديد مسارات العمل ومقترحات القيمة المهمة، ثم إعادة تصميمها بشكل منهجي بما يتوافق مع ما بات الذكاء الاصطناعي يتيحه اليوم. وفي كثير من الحالات، لا تكمن المشكلة في قلة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بل قلة الاستثمار في إعادة تصميم العمليات، والتغيير المؤسسي، والتنسيق الإداري. فالمؤسسات التي تحقق قيمة كبيرة هي تلك التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تحولاً في طريقة خلقها للقيمة، لا مجرد أداة إضافية لرفع الإنتاجية.
- هل يمكن للثقافة المؤسسية أن تحدد نجاح التحوّل نحو الذكاء الاصطناعي أو فشله؟
بكل تأكيد، التحوّل نحو الذكاء الاصطناعي يعتمد على مدى استعداد الأفراد للتجريب، وتحدّي أساليب العمل الراسخة، والتعلم من الإخفاق. والمؤسسات التي تتبنّى ثقافة التحسين المستمر، حيث يتمتع الموظفون بحرية اختبار مناهج جديدة دون عواقب غير متناسبة، تكون في موقع أفضل للاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي. وكثيراً ما قد تجعل الهياكل الهرمية الجامدة ذلك أمراً صعباً.
ولا يقلّ عن ذلك أهميةً كيفية تعامل المؤسسات مع الذكاء الاصطناعي داخلياً. فعندما يرتبط في أذهان الموظفين بخفض التكاليف وتقليص الوظائف، فمن الطبيعي أن يثير قدراً من القلق والتحفّظ. أما حين يُنظر إليه كأداة تعزز قدرات الموظفين، وتختصر الوقت والجهد، وتتيح توجيه الموارد نحو مجالات تحقق قيمة أكبر، فإن الصورة تتغير. فالمكاسب الحقيقية لا تأتي من خفض التكاليف وحده، بل من استثمار ما يوفره الذكاء الاصطناعي في فتح مجالات جديدة للنمو والابتكار، وبناء ثقافة مؤسسية أكثر استعداداً للتغيير.
- كيف يمكن للشركات أن تتحرك بسرعة في مجال الذكاء الاصطناعي دون المساس بالحوكمة والمساءلة؟
أود أن أعترض على هذه الفرضية: فالتحرك السريع في مجال الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة التهاون في الحوكمة. بل في الواقع، يمكن للمؤسسات أن تتحرك بوتيرة أسرع حين تدرك حدود هذه التقنية، وتضع قواعد واضحة تحدد أين يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي، وما الضمانات المطلوبة، ومن يتحمّل المسؤولية، ومتى تكون الرقابة البشرية ضرورية.
ومن ثمّ، فإن الحوكمة الرشيدة ليست مجرد قيد، بل هي عامل تمكين يتيح تبنّياً واثقاً وقابلاً للتوسّع. ومن دونها، قد تضطر المؤسسات في نهاية المطاف إلى الإبطاء أو التراجع بسبب الأخطاء أو الأضرار التي تلحق بسمعتها أو المخاوف التنظيمية. وقد يكون أسرع المتبنّين الناجحين هم أولئك الذين يأخذون الحوكمة والمساءلة على محمل الجد منذ البداية.
- مع تسارع طموحات المملكة العربية السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي، ما الذي سيُنتظر من الجيل القادم من قادة الأعمال؟
سيحتاج الجيل القادم من القادة إلى إلمام قوي بالذكاء الاصطناعي، إلا أن الخبرة في الذكاء الاصطناعي وحدها لن تكون كافية. فمع تنامي قدرة الذكاء الاصطناعي على التعامل مع المعرفة البشرية المدوّنة، تزداد أهمية القدرات الإنسانية الفريدة، مثل حسن التقدير، والحدس، وفهم السياق، والخبرة المتخصصة. ويتعيّن على القادة تطوير الجانبين معاً: القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية، والخبرة اللازمة لتمييز ما إذا كانت مخرجاته ثاقبة أم سطحية أم خاطئة.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، سيكون هذا المزيج بالغ الأهمية. فالفرصة لا تقتصر على تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي المتاحة عالمياً، بل تمتد إلى توظيفها في بناء قدرات متميزة وخلق مصادر جديدة للقيمة داخل المملكة. وسيكون أقوى القادة هم أولئك الذين يجمعون بين القدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي والخبرة الإنسانية العميقة وحسن التقدير.



















