تتطور الروبوتات حولنا كل يوم بدءا من المكانس الروبوتية للروبوتات العسكرية، التي انتشرت في الآونة الأخيرة. والروبوتات المشابهة للبشر، والتي يؤمل أن تكون مفيدة جدا في رعاية الأطفال والمسنين. غير أن تلك الروبوتات ما زالت حركتها معتمدة على الأجزاء الميكانيكية، ما يجعلها غير سلسلة إلى حد كبير.
محاكاة الكائنات الحية والبشر
وقد يكون الحل الأمثل لمشكلة سلاسة الحركة في الروبوتات هي محاكات حركة الكائنات الحية، المعتمدة على العضلات والهياكل الداخلية غير أن عملي تطوير العضلات الصناعية ما زالت في مهدها.
ويمكن للعضلات الاصطناعية المرنة أن تصنع الفارق في كثير من التطبيقات، بدءا من الروبوتات اللينة والأجهزة القابلة للارتداء، وصولا إلى الأجهزة الطبية الحيوية والجراحية. إلا أن التصاميم الحالية محدودة بآليات تشغيل معقدة وتحديات في تقليل حجم الروبوتات ذاتها.
وفى محاولة لتذليل تلك العقبات، قام فريق بحثي في مختبر (ETH Zürich) Acoustic Robotics Systems. والواقع بسويسرا، باستخدام مواد تحتوي على فقاعات دقيقة لإنشاء عضلات اصطناعية لينة وقابلة للبرمجة. حيث أمكنهم التحكم بها لاسلكيا عبر الموجات فوق الصوتية.

عضلات قابلة للبرمجة والتشكل
تمكنت الفقاعات الدقيقة المملوءة بالغاز من تركيز الطاقة الصوتية، مما أتاح وسيلة لبدء الحركة بأوقات استجابة سريعة ودقة مكانية عالية.
في هذه الدراسة، قام قائد الفريق Daniel Ahmed وزملاؤه ببناء عضلة اصطناعية من غشاء رقيق مرن يحتوي على مصفوفات تضم أكثر من 10,000 فقاعة دقيقة. عند تنشيطها صوتيا، تولد الفقاعات الدقيقة قوة دفع تسبب تشوه الغشاء. وبما أن الفقاعات الدقيقة ذات الأحجام المختلفة تصدر رنينا عند ترددات فوق صوتية مختلفة، يمكن تصميم المصفوفات لتوفير حركة قابلة للبرمجة. حيث يعني ذلك انه يمكن تصميم عضلات تقوم بحركات معينة مسبقا كما لو كانت عضلات مفاصل أو أوتار أو غيرها.
يوضح Daniel Ahmed قائلا: “الموجات فوق الصوتية آمنة وغير جراحية، وفي نفس الوقت يمكنها اختراق الجسم بعمق كبير وتوليد قوى هائلة. ومع ذلك، فبدون الفقاعات الدقيقة، يلزم قوة أكبر بكثير لتشويه العضلة. حيث يصعب تفعيلها بشكل انتقائي”.
توزيع الفقاعات لتقليل الطاقة اللازمة للحركة
ويستطرد المؤلف الرئيس للدراسة التي نشرتها مجلة Nature العلمية الشهيرة قائلا:. “للتغلب على القوة اللازمة لتحريك العضلة، نستخدم الفقاعات الدقيقة، التي تضخم توليد القوة في مواقع محددة وتعمل كأنظمة رنين. ونتيجة لذلك، يمكننا تفعيل العضلة الاصطناعية بمستويات طاقة آمنة للموجات فوق الصوتية وتوليد حركة معقدة”.
وكون الفريق العضلات الاصطناعية من غشاء سيليكون رقيق يحتوى على مجموعة من التجاويف الدقيقة الأسطوانية بأبعاد الفقاعات الدقيقة المطلوبة ومن ثم تم غمره في الماء. أدى غمر هذا الغشاء في جهاز صوتي acoustic chamber مملوء بالماء إلى احتجاز عشرات الآلاف من فقاعات الغاز داخل التجاويف (فقاعة واحدة لكل تجويف). يحتوي الجهاز النهائي على حوالي 3000 فقاعة دقيقة لكل مم²، حيث يزن حوالي 0.047 ملجم/مم² فقط.

الموجات الصوتية للتحكم
لإثبات القدرة على الحرك باستخدام الموجات الصوتية، صنع الباحثون عضلة اصطناعية تحتوي على فقاعات دقيقة موحدة الحجم على سطح واحد. ومن ثم ثبتوا أحد طرفي العضلة وعرضوه لموجات فوق صوتية بتردد معين. أدى ذلك إلى إثارة مصفوفة الفقاعات الدقيقة بأكملها في الوقت نفسه. ولدت التذبذبات الناتجة تدفقا صوتيا وقوى إشعاعية، مما تسبب في ثني العضلة لأعلى، بسعة تعتمد على طاقة الموجات فوق الصوتية المستخدمة في إثارة العضلة.</p>بعد ذلك، صمم الفريق عضلة اصطناعية بسمك 80 ميكرومتر، وأبعادها 3 × 0.5 سم، تحتوي على مصفوفات من ثلاث فقاعات دقيقة مختلفة الأحجام. أدى التحفيز بترددات 96.5 و82.3 و33.2 كيلوهرتز إلى تشوهات في مناطق تحتوي على فقاعات بأقطار 12 و16 و66 ميكرومتر، على التوالي. أدى التعرض لموجات فوق صوتية بترددات مسح تغطي الترددات الرنانة الثلاثة إلى تنشيط المصفوفات المختلفة بالتتابع، مما أدى إلى حركة متموجة.
روبوتات دقيقة بالموجات الصوتية
استعرض Ahmed وزملاؤه مجموعة من التطبيقات للعضلة الاصطناعية من خلال دمج مصفوفات فقاعات دقيقة في أجهزة وظيفية، مثل أداة إمساك ناعمة مصغرة لاصطياد الحيوانات الحية الهشة والتحكم بها. تتألف هذه الأداة من ستة إلى عشرة “مجسات” مصنوعة من مصفوفات فقاعات دقيقة. وعند تعريضها للموجات فوق الصوتية، أمسكت يرقة سمكة الزرد برفق، مع زمن استجابة أقل من 100 مللي ثانية. وعند إيقاف تشغيل الموجات فوق الصوتية. انفتحت المجسات وسبحت اليرقة بعيدا دون أي آثار جانبية.
يمكن للعضلة الاصطناعية أن تعمل كجلد آلي مرن، يلتصق بجسم ثابت ويمنحه حركة. وقد أثبت الفريق ذلك بربطها بسطح قلب خنزير خارج جسده. كما يمكن استخدامها لتوصيل الأدوية بشكل مستهدف.

تطبيقات لانهائية
قام الباحثون أيضا ببناء “Stingray bot” يعمل بالموجات فوق الصوتية. وهو روبوت جراحي ناعم مزود بعضلات اصطناعية (مصفوفات من فقاعات دقيقة مختلفة الأحجام) على جانبيه لمحاكاة الزعانف الصدرية لسمكة Ray. أدى التعرض للموجات فوق الصوتية ذات التردد المتغير إلى حركة متموجة دفعت الروبوت. وهو الذي يبلغ طوله 4 سم، إلى الأمام لاسلكيا بسرعة تعادل حوالي 0.8 طول الجسم في الثانية.وتعد تلك العضلات بتقنيات متطورة طبية وحيوية مستقبلية. مثل دعم الجراحة السطحية أو إطلاق الأدوية في موقع محدد داخل الجهاز الهضمي. حيث قام الباحثون بتغليف روبوت لاسع Ray ملفوف داخل كبسولة قابلة للبلع بأبعاد 27 × 12 مم. بمجرد وصوله الي المعدة، يمكن دفع الروبوت عند الحاجة تحت تأثير الموجات فوق الصوتية. كما قاموا بطي عضلة اصطناعية خطية على شكل عجلة. كما أظهروا أن ترددات الموجات فوق الصوتية يمكنها دفع الروبوت على طول الأسطح المخاطية المعقدة للمعدة والأمعاء.
إمكانيات هائلة فى انتظار روبوتات المستقبل
وعلق الفريق البحثي، قائلين: “من خلال الاستخدام المخطط لتكوينات الفقاعات الدقيقة والجهد والتردد ،. كمعايير لإثارة الموجات فوق الصوتية أمكننا تصميم مجموعة متنوعة من الحركات المبرمجة مسبقا. كما أثبتنا إمكانية تطبيقها على منصات روبوتية متنوعة”.وأضافوا: “بالنظر إلى المستقبل، تحمل هذه العضلات الاصطناعية إمكانات هائلة في مجالات متطورة مثل الروبوتات اللينة. والأجهزة الطبية اللمسية، والجراحة السطحية”.




















