لم يعد التغير المناخي مجرد تنبؤ علمي قد يحدث في المستقبل بل أصبح حقيقة واقعة نشاهدها الآن من خلال صناعة العلماء لـ”أوراق شجر صناعية”. وتعتبر الغازات الدفيئة وعلى رأسها ثاني أكسيد الكربون أحد تلك الأسباب المباشرة للتغير المناخي الذي هدد كوكب الأرض.
ويبذل العلماء الكثير من الجهود لمحاولة احتواء الكم المتزايد من انبعاثات الغازات الدفيئة في الهواء. ومن ناحية أخرى تحاول الحكومات الحد من الانبعاثات الحرارية بالاعتماد على الطاقة الجديدة والمتجددة.
أوراق شجر صناعية قد تكون الحل
تمكن العلماء- في سابقة هي الأولى من نوعها- من صناعة ورقة شجر صناعية يمكنها محاكاة ورقة الأشجار الطبيعية. وتتميز الورقة الجديدة بقدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتحويله إلى مركبات هيدروكربونية باستخدام ضوء الشمس. وتمثل تلك الورقة الجديدة مصدرًا للوقود المتجدد، كما أنها تتخلص من أحد أهم الغازات الدفيئة.
وتمكن باحثون من جامعة كامبريدج وجامعة كاليفورنيا بيركلي من تطوير طريقة يمكن بها تحضير الهيدروكربونيات باستخدام ضوء الشمس فقط. وتتكون ورقة الشجرة الجديدة من تشكيل هندسي على شكل زهرة مصنعة من معدن النحاس. وتكون تلك الزهرات النحاسية متناهية الصغر، في مدي النانومتر، نانومتر تعني جزءًا من مليار جزء من المتر. ويتم دمج الزهرات مع “ورقة” ماصة للضوء مصنوعة من البيروفسكايت، وهي مادة عالية الكفاءة تستخدم في الخلايا الشمسية. حيث يعمل النحاس كمحفز لتكوين الهيدروكربونات في وجود ضوء الشمس.
وخلافًا لمعظم المحفزات المعدنية، التي لا تستطيع تحويل ثاني أكسيد الكربون إلا إلى جزيئات أحادية الكربون، تسهّل أزهار النحاس إنتاج هيدروكربونات أكثر تعقيدًا تحتوي على ذرتي كربون، مثل الإيثان والإيثيلين، وهما عنصران أساسيان في الوقود السائل والمواد الكيميائية والبلاستيك.

وقود أخضر بديل
يمكن للبشر الحصول على معظم الهيدروكربونات حاليًا من الوقود الأحفوري، إلا أن الطريقة التي طورها فريق الفريق البحثي مكنت من إنتاج مواد كيميائية ووقود نظيف مصنوع من ثاني أكسيد الكربون والماء والجلسرين- وهو مركب عضوي شائع- دون أي انبعاثات كربونية إضافية. وقد نشر الفريق البحثي النتائج في مجلة Nature Catalysis.
وتعد الدراسة استكمالًا لدراسة سابقة أجراها الفريق على أوراق الشجر الاصطناعية، والتي استوحوا تصميمها من عملية البناء الضوئي: وهي العملية التي تُحوّل بها النباتات ضوء الشمس إلى غذاء.
وقال الدكتور فيرجيل أندريه؛ من قسم يوسف حميد للكيمياء بجامعة كامبريدج، والمؤلف الرئيسي للدراسة: “أردنا تجاوز عملية اختزال ثاني أكسيد الكربون البسيطة لإنتاج هيدروكربونيات أكثر تعقيدًا، لكن ذلك يتطلب طاقة أكبر بكثير”.
تحسين الكفاءة باستخدام أقطاب الأسلاك النانوية
بعد نجاح الفريق في إنتاج الهيدروكربونيات الأكثر تعقيدًا باستخدام ممتصّ ضوء من البيروفسكايت مع محفِّز زهرات النانو النحاسية كانت الحاجة ملحة لتحسين الكفاءة. ويمكن تحسين الكفاءة بشكل أكبر. كذلك التغلب على حدود الطاقة اللازمة لفصل الماء بإضافة أقطاب نانوية من السيليكون. حيث يمكن لتلك الأقطاب أكسدة الجلسرين. حيث يمكن لتلك الطريقة إنتاج الهيدروكربونيات بكفاءة أعلى بـ 200 مرة من الأنظمة السابقة لفصل الماء وثاني أكسيد الكربون.
ومن الجدير بالذكر، فإن هذا التفاعل لا يعزِّز أداءَ اختزال ثاني أكسيد الكربون فحسب، بل ينتج أيضًا مواد كيميائية عالية القيمة مثل الجلسرين واللاكتات والفورمات. والتي تستخدم في الصناعات الدوائية ومستحضرات التجميل والتركيب الكيميائي.
تحقيق كفاءة أكبر
يقول “أندريه”: “عادةً ما يعتبر الجلسرين نفايات، ولكنه هنا يلعب دورًا حاسمًا في تحسين معدل التفاعل. وهذا يبرهن على إمكانية تطبيق طريقتنا على مجموعة واسعة من العمليات الكيميائية والتي تتجاوز مجرد تحويل النفايات. حيث إنه من خلال التصميم الدقيق لمساحة سطح المحفز، يمكننا التأثير على المنتجات التي ننتجها. ما يجعل العملية أكثر انتقائية”. ومن الجدير بالذكر بان النسبة الحالية لتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى هيدروكربون لا تزال في حدود 10%، إلا أن الباحثين متفائلون بتحسين تصميم المحفز لزيادة الكفاءة.
علاوة على ذلك، يتطلع الفريق إلى تطبيق طريقتهم على تفاعلات عضوية أكثر تعقيدًا. ما يفتح آفاقًا للابتكار في مجال الإنتاج الكيميائي المستدام. ومع استمرار التحسينات. يمكن لهذا البحث أن يسرّع الانتقال إلى اقتصاد دائري خالٍ من الكربون.
وأضاف “أندريه”: “يعدّ هذا المشروع مثالًا ممتازًا يبين كيف يمكن للشراكات البحثية العالمية أن تؤدي إلى تقدم علمي ملموس ومؤثر. فمن خلال الجمع بين خبرات جامعتي كامبريدج وبيركلي، طوّرنا نظامًا قد يعيد تشكيل طريقة إنتاجنا للوقود والمواد الكيميائية القيّمة بشكل مستدام”.


















