مجلة عالم التكنولوجيا
مجلة تكنولوجية شاملة

هل يمكن أن تسبب الفيروسات الناتجة عن ذوبان التربة الصقيعية جائحة جديدة؟

عالم التكنولوجيا     ترجمة

 

في نوفمبر 2019 عقدت الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب ورشة عمل لمناقشة تهديد الأمراض الجديدة التي يمكن أن تظهر في المستقبل. والمثير للاهتمام أن هذه الورشة كانت قبل شهرين فقط من حدوث جائحة فيروس كورونا.

خلال هذه الورشة كان العلماء يحاولون معرفة ما يجب فعله حيال الكائنات الحية الدقيقة المحاصرة في الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية والتربة الصقيعية، والتي سيتم إطلاقها مع ارتفاع درجة حرارة العالم وذوبان الجليد.

وتحدث “الكسندر فولكوفيتسكي”؛ من الأكاديمية الروسية للعلوم خلال الورشة، عن حادثة مقلقة، ففي عام 2016 في شبه جزيرة يامال على الساحل الشمالي لروسيا؛ حيث يرعى السكان المحليون مئات الآلاف من حيوانات الرنة؛ وكانت درجات الحرارة دافئة بشكل غير معتاد وذاب الجليد؛ ما أدي ذلك إلي ظهور البكتيريا المسببة للجمرة الخبيثة -التي كانت موجودة في شبه الجزيرة لأكثر من قرن- من التربة وانتشرت كالنار في الهشيم. وقبل السيطرة على تفشي المرض نفق أكثر من 2000 حيوان من الرنة، كما أصيب بالمرض العشرات؛ من بينهم صبي لم يذكر اسمه وتوفي.

قد تكون هذه القصة نذير لما سيأتي، فمع ذوبان الجليد في المناطق الجليدية على الأرض ستظهر حتمًا الميكروبات الخاملة لفترة طويلة، والتي تعج المواد العضوية في التربة الصقيعية بها، وحتى الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية.

لذلك يجب أن نسأل: ما مدى احتمالية أن تتحلل هذه الميكروبات -التي حوصر بعضها لملايين السنين- من الجليد وتعود إلى الحياة؟ وإذا حدث ذلك فما الخطر الذي يمكن أن تشكله على البشر؟ هل يمكننا حتى أن نتعرض للأمراض القديمة؟ هذه هي الأسئلة التي نحتاج للإجابة عنها إذا أردنا مكافحة هذا التهديد الكامن.

 

– تاريخ الفيروسات القديمة الناتجة عن ذوبان التربة الصقيعية

لقد حدثت إحدى محاولات اكتشاف ذلك منذ ما يزيد قليلًا علىقرن من الزمان. كانت الرحلة الاستكشافية في القارة القطبية الجنوبية الأسترالية من عام 1911 إلى عام 1914 أمرًا صعبًا؛ حيث توفي اثنان من أعضاء الفريق وأصيب ثالث بانهيار عقلي. لكن كبير أطباء البعثة “أرشيبالد ماكلين” نجح في استكشاف البكتيريا والفطريات والأوليات من جليد القارة القطبية الجنوبية. حتى عندما حفر أكثر من مترين في الجليد وجد الحياة.

ووصف “ماكلين” النتائج التي توصل إليها في مجلة Nature في عام 1918. واقترح أن الميكروبات نُقلت إلى القارة القطبية الجنوبية بفعل الرياح وسقطت على الأرض في شكل ندف ثلجية. لكن عندما تصل هذه الكائنات إلى السطح الجليدي تبدأ تاريخ حياة جديد.

 

– مسببات الأمراض على الجليد

منذ ذلك الحين أصبح من الواضح أن الثلج والجليد يمكن أن يحتويا على مجتمعات مزدهرة من الحياة المجهرية. على سبيل المثال: في عام 2013 كانت “تريستا فيك ماجورز” من جامعة ميتشيجان التكنولوجية جزءًا من فريق حفر في بحيرة ويلانز، التي تقع على عمق 800 متر تحت سطح الغطاء الجليدي في غرب أنتاركتيكا.

قالت “ماجورز”: “اعتقدت أننا سنكون محظوظين لقياس أي شيء. كان هناك الكثير مما كنا نتوقعه”. وبالفعل كشفت الدراسات اللاحقة عن أنظمة بيئية كاملة للبكتيريا والكائنات الحية الدقيقة الأخرى ذات أنماط الحياة المتنوعة التي تعيش جميعها معًا، على الرغم من البرد والظلام.

ربما لا ينبغي أن نتفاجأ فبحيرة ويلانز مصنوعة من الماء السائل، وعندما تكون درجات الحرارة قليلة من 0 درجة مئوية يمكن للعديد من الميكروبات البقاء على قيد الحياة.

وهناك مثال آخر على الأنهار الجليدية في جبال الأنديز في أمريكا الجنوبية؛ حيث توجد قطرات من الماء بين بلورات الجليد، ذكرت “باميلا سانتيبانيز” من وزارة العلوم والتكنولوجيا والمعرفة والابتكار في تشيلي: “أستطيع أن أرى نشاطًا بكتيريًا بين الثلج والجليد”.

وتباينت تركيزات الميكروبات على مدى آلاف السنين، مع التحولات بعد التغيرات في المناخ. علاوة على ذلك تعرضت الميكروبات في الطبقات القديمة لأضرار بالغة. وتقول “سانتيبانيز”: “الخلايا التي كانت في الجليد منذ 25 ألف سنة أو 30 ألف سنة، عند درجة حرارة -30 درجة مئوية، في حالة سيئة حقًا”.

يحمل هذا رسالة مطمئنة وهي: على الرغم من أنه يمكننا اكتشاف الميكروبات في الجليد التي يبلغ عمرها آلاف السنين إلا أن هناك القليل منها.

وينطبق الشيء نفسه على الفطريات، فمن المعروف أن حوالي 300 نوع من الفطريات ممرضة للإنسان، بما في ذلك Cryptococcus neoformans، والتي يمكن أن تسبب التهابات رئوية خطيرة. تم العثور على الفطريات في الجليد، من “جرينلاند وسفالبارد” في الشمال إلى القارة القطبية الجنوبية في الجنوب، علاوة على ذلك أنتج الجليد من القارة القطبية الجنوبية فطريات يمكن زراعتها في المختبر. لكن مرة أخرى الكميات ضئيلة ولم تكن من الأنواع التي تشكل خطورة علينا.

 

– الفيروسات في الصفائح الجليدية والأنهار الجليدية

لذلك يبدو أننا لسنا في حاجة إلى القلق بشأن الحياة الميكروبية الناشئة من الصفائح الجليدية والأنهار الجليدية. ولكن ماذا عن الفيروسات، تلك الهياكل الصغيرة التي لا تزال حية بشكل غامض؟

في عام 1999 حدد الباحثون فيروسًا يصيب الطماطم والنباتات الأخرى في الجليد الجليدي الذي يبلغ عمره 140 ألف عام من جرينلاند. وبعد خمس سنوات اقترحت مجموعة ثانية أن الجليد قد يعمل كمستودع للفيروسات المسببة للأمراض بما في ذلك الإنفلونزا أ، وفيروسات الكاليس التي تسبب التهاب المعدة والأمعاء، وبعض الفيروسات المعوية (المجموعة التي تشمل فيروس شلل الأطفال).

وكان هناك القليل من الأدلة لدعم هذه الفكرة ودراسات أخرى أكثر طمأنة. وعلى الرغم من أن تحليل مياه القطب الشمالي شديدة الملوحة وجد الكثير من الفيروسات إلا أن الغالبية لم تشكل أي خطر على الناس.

وبالمثل حددت مجموعة “طومسون” العام الماضي مجموعة من الفيروسات في قلب الجليد من التبت؛ حيث كان الجليد يصل إلى 15000 عام. ويقول “طومسون”: “في الأنهار الجليدية الأكثر دفئًا يمكن أن تنمو الميكروبات والفيروسات على السطح، أما البكتيريا فهي من الأنواع التي يمكن أن تعيش في البرد، والفيروسات تتطفل عليها. إنه نظام بيئي”.

 

– خطورة التربة الصقيعية وعلاقتها بالفيروسات

لكن الأكاديميات الوطنية الأمريكية قلقة بشأن الأمراض الناشئة من المناطق المجمدة. ففي حين أن الجليد آمن إلى حد ما فإن التربة الصقيعية ليست كذلك. والمواد العضوية مثل التربة هي بيئة أكثر ملاءمة للميكروبات المسببة للأمراض.

إن تفشي الجمرة الخبيثة عام 2016 في روسيا هو مجرد مثال واحد. وقد أسفرت البقايا البشرية المستخرجة من الأرض المتجمدة في ألاسكا أيضًا عن الجينوم الكامل لفيروس الإنفلونزا الإسبانية عام 1918. كما تم العثور على فيروس الجدري، المرتبط بالفيروس الذي يسبب الجدري، في مومياء بسيبيريا عمرها 300 عام. وتبين أن براز الوعل المجمد البالغ من العمر 700 عام يحتوي على آثار وراثية لفيروسين.

وظهرت أيضًا فئة من الميكروبات المعروفة باسم “الفيروسات العملاقة”، وفي عام 2014 وجدها فريق بقيادة جان ميشيل كلافيري في جامعة إيكس مرسيليا بفرنسا داخل التربة الصقيعية في سيبيريا. وكانت مختلفة عن معظم الفيروسات المعروفة -أكبر بكثير وذات جينومات أكثر تفصيلًا- وظلت سليمة في الجليد لمدة 34000 عام. إنها لا تشكل أي خطر علينا؛ لأنها تصيب حيوانات وحيدة الخلية تسمى البروتوزوا. لكنها تثير احتمالًا مثيرًا للفضول بأن ذوبان التربة الصقيعية يمكن أن يعرض الناس لمسببات الأمراض التي أصابت البشر المنقرضين الآن والذين عاشوا في المنطقة ذات يوم.

 

 

المصدر

 

اقرأ أيضًا:

ابتكار نظام للذكاء الاصطناعي قادر على تطوير لقاحات عالمية ضد متغيرات الفيروسات

 

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.