مجلة عالم التكنولوجيا
مجلة تكنولوجية شاملة

مبادرة كاوست لدعم الطب الدقيق في المملكة العربية السعودية

 

منذ حوالي ١٥ عامًا، أعاد الطبيب الياباني “شينيا ياماناكا” كتابة قواعد علم الوراثة من خلال اختراع تقنية ثورية لإعادة برمجة الخلايا، حصل بسببها على جائزة نوبل للطب، حيث فسر اكتشافه كيفية تغيير الخلايا البشرية العادية إلى ما أسماه الخلايا الجذعية المستحثّة متعددة القدرات (iPS)، والتي يمكن إعادة برمجتها لتصبح أي نوع من الخلايا الموجودة في أجسامنا. وكان استخدام هذه التقنية في السابق يتطلب خلايا جذعية جنينية، والتي لا يزال استخدامها مثيراً للجدل أخلاقياً، الأمر الذي أعاق التقدم في تطوير الخلايا الجذعية (iPS)، الا أن الوضع تغير بحلول عام ٢٠١٧ عندما تم لأول مرة زراعة خلايا جذعية من نوع (iPS) لرجل ياباني تبرع بها شخص آخر، حيث فتح هذا الإنجاز الباب على مصراعيه للإمكانيات الهائلة لهذه الخلايا التي يمكن من خلالها إنشاء قاعدة بيانات جينية تقدم للمرضى جينات صحية ومُعاد برمجتها ومتطابقة بصورة مثالي لتناسب أجسادهم من أجل علاج الأمراض والحالات الطبية. هذه هي رؤية د. خالد الصايغ، عالم الوراثة الجزيئية السعودي، الذي نقله بحثه عن الخلايا الجذعية على مدار العقد الماضي من فرجينيا إلى طوكيو والآن جدة، حيث يعمل مديرًا مشاركًا لأبحاث الطب الحيوي في مركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية.

ساهم د. الصايغ في إنشاء السجل السعودي لمانحي الخلايا الجذعية، والذي يضم الآن عينات من ٨٠ ألف متبرع محتمل من جميع أنحاء المملكة، ويقوم فريقه بتحليل هذه العينات لتحديد المتبرعين الذين تتطابق نوعية أنسجتهم مع نسبة كبيرة من سكان المملكة، يقول:” نقوم بتحديد المتبرعين المحتملين، ثم نبدأ بجمع خلايا الدم الخاصة بهم ونعيد برمجتها في خلايا جذعية من نوع (iPS) وبذلك يصبح لدينا مخزونًا عالميًا يمكننا من خلاله اشتقاق أي نوع من الأنسجة، كما يمكن زرع هذه الخلايا في أي شخص مناسب بعد عمل دراسة توافق الانسجة “.

وفي حين أن هناك استخدامات محتملة لا حصر لها لهذه الخلايا الجذعية، يركز الصايغ أولاً على إنشاء ما يسمى بخلايا تنظيم ضربات القلب التي يمكن أن تحل محل أجهزة تنظيم ضربات القلب الالكترونية المزروعة التي تحتاج عادةً لاستبدالها كل ٥-

١٥ عامًا، مما يجبر المرضى على الخضوع لمزيد من العمليات الجراحية، في حين أن خلايا تنظيم ضربات القلب يتم زراعتها مرة واحدة فقط. ومن ناحية أخرى، فإن إنشاء قاعدة بيانات جينييه سيساعد علماء الوراثة على تقديم خلايا مناسبة وجاهزة مسبقاً للمرضى دون الحاجة لتعقيدات برمجتها لتتوافق مع خلايا المريض، يقول د. الصايغ:” كلما دعت حالة المريض، نذهب لقاعدة البيانات ونبحث عن أنسجة متطابقة لنوع أنسجة المريض ثم تتم عملية الزراعة على الفور، وهذا هو هدفنا بعيد المدى”.

ولتسهيل هذه العملية المعقدة، دخل د. الصايغ في تعاون بحثي مع البروفيسور جيسبر تيجنير، أستاذ العلوم البيولوجية في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، كجزء من مبادرة الصحة الذكية الخاصة بالجامعة التي أُطلقت في يناير الماضي، وسيجري تيجنر عملية تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية لإنشاء خلايا جهاز تنظيم ضربات القلب، يقول د. الصايغ: “إنها تقنية عالية الدقة لدراسة ومقارنة الخلايا التي أنتجناها في المختبر مع الخلايا الحقيقية”. في البداية، يتم عمل التجارب اللازمة باستخدام الحيوانات وقد يستغرق ذلك عام أو عامين قبل البدء بالتجارب البشرية، يقول د. الصايغ: ” تمتلك كاوست مرافق مذهلة، ولا شك أن التعاون معها من شأنه تسريع هذا المشروع، خصوصاً في ظل وجود فجوة حقيقية بين مجالي الرعاية الطبية السريرية والبحث، فما ينقصنا اليوم هو البحث الانتقالي الذي يترجم المفاهيم بين العلماء والأطباء”.

مبادرة الصحة الذكية

هذا التعاون البحثي هو من بين ١٨ مشروعًا بحثيًا مدعومًا بمنحة أولية تبلغ ١٠٠٠٠٠ دولار كجزء من مبادرة الصحة الذكية لكاوست، حيث سيتم في كل مشروع اشراك عالم من الجامعة مع طبيب من المملكة العربية السعودية، وستغطي المشاريع البحثية دراسة الطفرات الجينية، وتحديد البكتيريا الموجودة في الأعضاء المزروعة قبل الزرع، وفهم مسار سرطان الدم وغيرها.

وستمثل هذه البرامج جميعها ما يُعرف بالبحوث الانتقالية أو “البحوث المنضدية السريرية” التي تأخذ المعرفة البيولوجية والرؤى من التجارب السريرية لعلاج حالات وأمراض طبية معينة، حيث يتعاون علماء الأحياء وعلماء الوراثة مع خبراء في مجالات أخرى بما في ذلك الهندسة والمعلومات الحيوية والصيدلة لتطوير علاج المرضى، يقول البروفيسور بيير ماجستريتي، مدير مبادرة الصحة الذكية في كاوست: “هناك فجوة بين الرعاية السريرية المتميزة والبحوث السريرية المتقدمة، وما نحتاجه هو البحث الانتقالي الذي من خلاله يتفاعل العلماء مع الأطباء”.

وتضم مبادرة الصحة الذكية لكاوست شركاء محليين مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي، ومركز جونز هوبكنز أرامكو الطبي، ومدينة الملك سعود الطبية، وستساعد هذه المبادرة في تدريب الجيل القادم من العلماء والأطباء والتقنيين الطبيين في المملكة، وستستحدث برنامج دكتوراه طبيبة يتيح للأطباء إكمال أبحاثهم لنيل درجة الدكتوراه في كاوست، حيث تأمل الجامعة في تسريع عجلة التقدم في مجال الوقاية من الأمراض وتشخيصها وعلاجها عبر الجمع بين بيانات الطب السريري والبحوث الطبية الحيوية والذكاء الاصطناعي.

يقول ماجستريتي:” الركيزة الأولى لمبادرة الصحة الذكية هي البحث، ثم التعليم، ثم الابتكار وترجمته الى منتجات، كما تسعى المبادرة لتحفيز إنشاء شركات فرعية واعدة من كاوست أو المستشفيات المشاركة يكون لها دور فاعل في مجال الطب الحيوي، والأدوية الحيوية، والتكنولوجيا الحيوية”.

وتخطط كاوست لإنشاء مركزًا للابتكار الحيوي يتيح للشركات الناشئة أو الشركات الخارجية العاملة بمجال الطب الحيوي إجراء مشاريع بحثية في حرمها الجامعي، وستكون الخطوة الأولى، من حيث البحث، هي تحديد آليات بعض الأمراض الوراثية والأيضية وهو أمر يعوّل عليه ماجستريتي متفائلاً حيث يقول: ” سنعمل على تدريب جيلٍ جديدٍ من العلماء الطبيين، والحاصلين على درجة الدكتوراه في الطب، والتقنيين أيضًا، وإن استطعنا من خلال هذه المبادرة ابتكار بعض العلاجات لبعض هذه الأمراض، فسيكون ذلك نجاحًا كبيرًا لنا”.

ويوضح ماجستريتي أن الهدف من مبادرة الصحة الذكية هو تعزيز قدرات المملكة في مجال الطب الدقيق والذي يمكن من خلاله تطوير علاجات للأمراض الوراثية أحادية الجين المنتشرة في المملكة، وهي حالات ناجمة عن تعديل جين واحد يحدث في جميع خلايا جسم الإنسان، وبحسب منظمة الصحة العالمية، تم تسجيل أكثر من ١٠٠٠٠ مرض أحادي الجين في العالم، وعادة ما تكون البروتينات المشفرة بواسطة جينات معينة هي السبب الرئيسي في مثل هذه الأمراض، يقول ماجستريتي :” هناك تطور ُمطّرد في مجال العلاج الجيني ، ومع الأسف لا يزال بعيداً عن كونه علاجاً ناجعاً لكافة الامراض”. وستركز المبادرة على تحليل الأنماط الظاهرية وتحديد المتغيرات الجينية الفريدة في سكان المملكة العربية السعودية من أجل فهم أفضل للآليات المسببة للأمراض الوراثية، وسيتم التركيز بصورة خاصة على مرض السكري من النوع ٢ والذي يعتبر معدل الإصابة به في المملكة من بين الأعلى في العالم.

ولإجراء هذه الدراسة، تعاون د. فوزان الكريع، الأستاذ في علم الوراثة الجزيئي وعالم الطب الإكلينيكي الرئيسي في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث في الرياض، مع ثلاثة من علماء كاوست: تيجنير، وأستاذ علوم الحاسب الآلي شين جاو، وأستاذ العلوم الحيوية ستيفان أرولد، يقول د. الكريع: “ستبدأ قريبًا دراسة تجريبية لمدة عام، وستشمل ٢٥ موظفًا، وستسلط الضوء على أهداف علاجية جديدة لمجموعة من الامراض الشائعة في البلاد، كما ستوفر هذه الدراسة بيانات قيمة لصناعة الأدوية تهدف لإثراء جهود تطوير الأدوية الحالية والمستقبلية في المملكة

 

ولمتابعة أحدث الأخبار الاقتصادية اضغط هنا

الرابط المختصر :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.