مجلة عالم التكنولوجيا
مجلة تكنولوجية شاملة

“كاوست” تطور جهازًا متنقلًا للتنفس الصناعي مدعومًا بالذكاء الاصطناعي

ليس بالضرورة أن يكون المختبر أو مكان العمل هو منشأ الاختراعات فلو نظرنا إلى بعض الاختراعات المؤثرة في العالم، مثل حاسوب أبل أو مكنسة دايسون الكهربائية أو رسوم ديزني الكارتونية، نجد أنها جميعًا باختلاف ظروفها انطلقت من مكان واحد وهو المرآب.

والشيء تكرر بالنسبة لباحثين في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، وهما الدكتور عدنان قمر وأحمد سيد؛ حيث قاما بتطوير جهاز متنقل للتنفس الصناعي يُحمل على الظهر في مرآب منزل الباحث أحد سيد؛ وذلك في ذروة جائحة فيروس كورونا (كوفيد ١٩) في عام ٢٠٢٠؛ إذ كانت مختبرات الجامعة خلال ذلك الوقت في حالة إغلاق التزامًا بتدابير السلامة والتباعد الاجتماعي، الأمر الذي دفعهما إلى العمل من المنزل لتصميم جهاز ذكي للتنفس الصناعي.

تم تصميم وحدة جهاز التنفس الصناعي المتنقلة (VENTIBAG) لدعم المرضى الذين يعانون من أمراض الرئة وصعوبات التنفس، وتعمل الوحدة على استخراج الأكسجين النقي من الغلاف الجوي وتوفيره بمستويات مخصصة بحسب احتياجات الأفراد. ولكن ما يميز هذا الجهاز عن بقية أجهزة التنفس الأخرى هو قابليته للتنقل والحمل، فضلًا عن استخدامه تقنية الذكاء الاصطناعي (AI) وأجهزة الاستشعار؛ لمراقبة الظروف الصحية للمريض في الوقت الفعلي وضبط مستوى الدعم؛ حيث يتم تحميل البيانات الحيوية للمريض على شبكة الإنترنت عبر التقنية السحابية كي يطلع عليها الطبيب المعالج بصورة مباشرة ومن ثم يتم عمل التوصيات والتعديلات اللازمة وتقديم الملاحظات دون الحاجة للتواجد مع المريض.

تم تصميم النموذج الأول للجهاز للمشاركة في تحدي كوفيد ١٩ للابتكار بكاوست في يونيو من عام ٢٠٢٠، وهو تحدٍ بقيمة ٢٠ ألف دولار خصصته الجامعة لجميع أفراد مجتمعها لتطوير حلول مبتكرة لتحديات الجائحة، وكان اقتراح قمر وسيد من بين ست مقترحات حصلت على الجائزة.

 

جدير بالذكر أنه تم بالفعل الانتهاء من عملية التصنيع وتسجيل براءة الاختراع لهذا الجهاز، والآن يعمل الدكتور عدنان قمر وأحمد سيد على المرحلة التجريبية للجهاز في التطبيقات الطبية ذات العلاقة.

 

تلبية الطلب المتزايد لأجهزة التنفس الصناعي

لاشك أن تكامل الخبرات والمهارات البحثية بين الدكتور عدنان قمر وأحد سيد كان له أغلب الأثر في نجاح اختراعهما، فلدى “قمر” خلفية في الهندسة الطبية الحيوية والميكانيكية ويعمل كخبير في نمذجة النظم والبيانات بمركز أبحاث تحلية وإعادة استخدام المياه في كاوست، أما سيد فيعمل في مجال الإلكترونيات والأنظمة الكهربائية، وهو أحد أعضاء الفريق البحثي في المختبر الأساسي لتصنيع النانو بالجامعة.

يقول قمر: “ابتكرنا هذا الجهاز لتلبية الطلب المتزايد لأجهزة التنفس الصناعي نتيجة هذه الجائحة، خاصة مع نقص عدد الأسرة الطبية واكتظاظ المستشفيات بالمصابين، وكنا نتساءل: لماذا يجب أن يوضع المرضى الذين يعانون من فيروس كورونا أو أمراض الرئة وصعوبات التنفس في منشأة مزدحمة؟ وكان تصورنا هو تصميم جهاز محمول يقدم رعاية جيدة للمريض من منزله دون الحاجة لمزيد من الاختناق في أروقة المستشفيات”.

يتم توفير الأكسجين للمرضى في المستشفيات عبر منافذ مدمجة في المبنى، ويراقب الأطباء المرافقون باستمرار الظروف الصحية للمرضى ويقومون بالتعديل اللازم لكمية الاكسجين وفقًا لذلك، وهو نظام يجعل مرضى الجهاز التنفسي يعتمدون بصورة كلية على كلٍ من تجهيزات المستشفى وموظفيها.

كان التحدي الأول لقمر وسيد هو تصميم جهاز يمكنه إنتاج الأكسجين بصورة مستقلة؛ لذا قاما باستخدام تقنية (الامتزاز بالضغط المتأرجح) وهي تقنية تُستخدم لفصل بعض أنواع الغازات عن خليط مضغوط من الغازات ويمكنها توليد الأكسجين في الموقع وتستخدم معظم شركات الطيران التجارية هذه التقنية إضافة للصناعة.

أحد المكونات الرئيسية لجهاز التنفس الاصطناعي المحمول (VENTIBAG) هو مادة طبيعية تسمى الزيوليت (نوع من أحجار سيليكات الألومنيوم)، والتي يعمل هيكلها المسامي كالغربال لتصفية الغازات، عندما يتم إدخال هواء مضغوط في الأسطوانة يمتص الزيوليت النيتروجين؛ لذلك ابتكر قمر وسيد طريقة لطرد هذا النيتروجين؛ بحيث لا يبقى في الاسطوانة إلا غاز مضغوط يتكون من ٩٥-٩٦٪ أكسجين، والنتيجة تطوير وحدة صغيرة تعمل بدون ضوضاء وتوفر الأكسجين النقي في الموقع حسب الحاجة.

ولاستبدال الحاجة لوجود الطبيب في الموقع تم استخدام التقنية الذكية في جهاز التنفس الاصطناعي المحمول (VENTIBAG) حيث قام قمر وسيد ببناء وحدة تحكم بتقنية الذكاء الاصطناعي مع شبكتين عصبيتين عميقتين: واحدة لقراءة وتفسير بيانات المريض الواردة من أجهزة الاستشعار، والثانية لإدارة إعدادات الجهاز.

يقول سيد: “أصبحت تقنية الذكاء الاصطناعي متطورة جدًا اليوم، فنحن نقوم بتدريب النظام لاكتشاف العلامات الحيوية الحالية للمريض، ثم حساب ما إذا كانت هذه العلامات مرتفعة جدًا أو منخفضة جدًا ويقوم الجهاز بضبط إعداداته تلقائيًا تبعًا لتلك الحسابات. بهذه الطريقة يتصرف الجهاز مثل الطبيب، وتتحكم الشبكة العصبية الثانية في إعدادات الجهاز الأخرى مثل التيارات والجهد الكهربائي المدخل بناءً على ظروف المريض”.

وقارن أحمد سيد هذه التقنية بوحدات الأكسجين الأخرى التي توفر الأكسجين النقي، ولكن بشكل عشوائي لا يأخذ في الحسبان مدى حاجة المريض؛ ونتيجة لذلك يمكن أن تسبب الضرر للناس عن غير قصد. علاوة على ذلك فإن الأسطوانات التقليدية التي يستخدمها كثير من الناس في منازلهم لا تولد الأكسجين، ويجب استبدالها عند نفاد الأكسجين.

تعتبر أمراض الرئة هي السبب الرئيسي الثالث للوفاة في جميع أنحاء العالم. وعلى ضوء ذلك يرى قمر وسيد أن الحاجة إلى جهازهم يتجاوز جائحة فيروس كورونا الحالية، لا سيما في المناطق النائية، مثل المجتمعات الريفية أو مناطق الحرب؛ حيث لا تتوفر الخبرات والموارد بسهولة. واستشهدا بحالة نقص الوصول للأكسجين التي واجهتها الهند (موطن قمر وسيد) خلال الموجة الوبائية الثانية لفيروس كورونا، عندما توفي مئات المرضى المصابين في الشوارع.

 

مبادرات الطب الحيوي

 

كان الانتهاء من بناء هيكل الجهاز والقطع المرتبطة به إنجازًا مهمًا لقمر وسيد نحو الحصول على الترخيص، يقول سيد: “كان شراء القطع عقبة كبيرة في بداية الوباء، خصوصًا في طلب القطع من خارج المملكة، كان الأمر يستغرق وقتًا طويلًا، ومما عمق من مشكلتنا أيضًا أن معظم الشحنات من شرق آسيا قد تم حظرها، الأمر الذي دفعنا لمحاولة تأمين كل ما أمكننا من مدينة جدة”.

ونظرًا لأن جهاز (VENTIBAG) يستخدم في الحالات الطبيبة الحرجة للمرضى، فإن الالتزام الصارم باللوائح والضوابط الصحية ضروري لضمان سلامته وعمله بشكل مثالي، ويعد الحصول على بيانات المريض خطوة تالية أساسية. ولهذه الغاية يعمل الباحثان قمر وسيد مع الأطباء والممارسين الصحيين للحصول على البيانات اللازمة التي يمكن استخدامها لتحسين نظام الذكاء الاصطناعي المدمج في جهازهم.

يقول سيد: “النموذج الأول لجهازنا وبرمجياته جاهزة للاختبار، ونحن الآن بحاجة إلى الأرقام لتدريب الشبكة العصبية. وبمجرد تحقيق ذلك يمكننا المضي قدمًا في العمل باستخدام أجهزة معايرة الرئة والتجارب السريرة”.

ويشرح قمر عن نظرته نحو مستقبل اختراعهم، فيقول: ” ما زلنا في بداية الطريق ولكننا واثقون من نجاحنا بفضل الدعم المستمر لبعضنا والتشجيع الذي نتلقاه من مكتب الرئيس وفريق التنمية الاقتصادية في كاوست”.

وأضاف سيد: “لقد كانت بيئة الابتكار في كاوست مشجعة للغاية بالنسبة لنا، وحصلنا على تشجيع كبير من موظفي الجامعة الذين يشرفون على الملكية الفكرية الذين دعمونا بقوة؛ لأنهم يعرفون أن لدينا منتجًا رائعًا، نحن الآن جاهزون للانتقال إلى المرحلة التالية في اختراعنا”.

 

المصدر

 

إقرأ أيضا:

 

اختيار “كاوست” ضمن هيئة ترشيح جائزة “إيرث شوت” لإنقاذ كوكبنا

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.