يثير الفيلم العالمي الشهير Interstellar فى أحد أهم مشاهده “مفهوم الزمن” ثلاثي الأبعاد. بينما أثار مفهوم الزمن نفسه الكثير من الجدل بين العلماء والباحثين والفلاسفة عبر العصور على حد سواء.
ومن المعروف أن مفهوم الزمن عند القدماء كان يقاس بحركات ظاهرية للشمس والقمر أو النجوم . وأستخدم ذلك في معرفة الكثير من الأمور الحياتية للبشر كتحديد مواسم الفيضان والزراعة وغيرها.
غير أن البشرية طورت هذا المفهوم في بدايات القرن العشرين حيث اكتشف “آينشتاين” مفهوم “نسبية الزمن” الشهير.
فيلم Interstellar ونسبية الزمن
منذ بدء الحضارة عرف الناس مفهوم الزمن وقسموه بأحداثه. فهناك المستقبل والحاضر والماضي. غير أن الجميع قد أجمعوا على أن الزمن يسري كنهر في اتجاه واحد من الماضي إلى المستقبل، مرورًا بالحاضر.
إن النسبية الحديثة والتي وضع أسسها “آنيشتاين” بأن الزمن نسبي ويمكن أن يتغير لكل موضع من مواضع الكون. ويتغير الزمن تبعًا للسرعة والجاذبية. ففي السرعات التي تقترب من سرعة الضوء يتمدد الزمن حتى يتوقف عند سرعة الضوء.
وكذلك عند مرور جسم في مجال جاذبية قوي فإن هذا يؤدي إلى تباطؤ الزمن حتى يتوقف عند أفق الحدث للثقب الأسود.
من الجدير بالذكر، أن نسبية الزمن مع السرعة قد تم إثباتها علميًا بتجربة الساعات الذرية على متن الصواريخ السريعة.
بينما ما زالت فكرة الوصول إلى أفق الحدث للثقب الأسود فكرة علمية مثيرة ومجنونة في وقت واحد. ولكنه فى الحالتين يبقى مفهوم الزمن كطريق أو كنهر خطي هو السائد حتى الآن.
الزمن
فكرة ثورية جديدة للزمن من فيلم Interstellar
في ورقة علمية جديدة يقترح العلماء إطارًا نظريًا جديدًا. تنص على أن الزمن ليس خيطًا منفردًا، بل هو نسيج ثلاثي الأبعاد ينبثق منه الفضاء نفسه.
ويدمج الفيزيائي Gunther Kletetschka من جامعة Alaska Fairbanks هذه المحاور الزمنية الإضافية في معادلاته.
ويحاول أن يعيد خلق كتل الجسيمات المعروفة باستخدام تلك النظرية. كما يلمح إلى طريقة لتوحيد ميكانيكا الكم مع الجاذبية.
وتشير نظرية Kletetschka الجديدة إلى أن كل حدث فيزيائي يخلق ويوجد في الزمن وحده، وأن للزمن في الواقع ثلاثة اتجاهات مستقلة. ينبثق الفضاء من هذه المحاور الثلاثة كمظهر ثانوي. إذا أثبتت التجارب صحة هذا، يمكن للزمن ثلاثي الأبعاد أن يعيد كتابة أعمق قصة في واقعنا المادي.
ويستطرد Kletetschka؛ الأستاذ الباحث المشارك في المعهد الجيوفيزيائي بجامعة Alaska Fairbanks، قائلًا: “هذه الأبعاد الزمنية الثلاثة هي النسيج الأساس لكل شيء، مثل لوحة فنية مرسومة على قماش . لا يزال الفضاء موجودًا بأبعاده الثلاثة، ولكنه أشبه بالطلاء على القماش أكثر منه بالقماش نفسه”.

فيلم Interstellar وتحد جديد للزمن
تتحدى تلك الفكرة مفاهيم نسبية “آينشتاين”. كما تتناقض تمامًا مع مفهوم الزمكان القديم، الذي يتعامل مع بعد واحد من الزمان وثلاثة أبعاد للمكان ككيان واحد.
في نموذج Kletetschka الرياضي، والذي يحاول فيه إثبات نظريته، تدمج المحاور الزمنية الثلاثة مع المحاور المكانية المألوفة لإنشاء ستة أبعاد إجمالية.
يعتقد أن هذا الإطار قد يقرب العلماء من تفسير واحد وموحد للكون. وبينما يعد فهم الاتجاهات الإضافية للزمن أمرًا صعبًا، اقترح العديد من علماء الفيزياء تصورات عديدة منه.
تكمن قوة النظرية التي اقترحها Kletetschka في تطابق نتائج توقعات نموذجه مع كتل الجسيمات المعروفة وخصائص أخرى قابلة للقياس، مما يحول فكرة مثيرة للاهتمام إلى فرضية قابلة للاختبار.
إطار زمني ثلاثي الأبعاد قابل للاختبار
نشرت نتائج تلك النظرية مؤخرًا في مجلة Reports in Advances of Physical Science العلمية. وتقترح المقالة العلمية إطارًا رياضيًا للزمن ثلاثي الأبعاد، يحسن مقترحات الباحثين السابقين من خلال إنتاج نسخ قابلة للاختبار من كتل الجسيمات المعروفة وخصائص فيزيائية أخرى.
ويعلق Kletetschka، قائلًا: “كانت مقترحات الزمن ثلاثي الأبعاد السابقة في المقام الأول مفاهيم رياضية تفتقر إلى هذه الروابط التجريبية الملموسة. في هذه الدراسة يحول المفهوم من إمكانية رياضية مثيرة للاهتمام إلى نظرية قابلة للاختبار فيزيائيًا. مع قنوات تحقق مستقلة ومتعددة”.
يمكن استخدام هذه النظرية للتنبؤ بخصائص الجسيمات غير المعروفة حاليًا. والمساعدة في البحث عن أصل الكتلة. وفي نهاية المطاف، المساعدة لحل أحد أكبر الاسئلة في الفيزياء.
كيف يعمل الزمن ثلاثي الأبعاد؟
الزمن ثلاثي الأبعاد هو نظرية يكون فيها للزمن، مثل: المكان، اتجاهات مستقلة متعددة. حيث تصور عادةً على أنها ثلاثة محاور للحركة الزمنية، تشبه في مفهومها المحاور المكانية X وY وZ.
يمكن تخيل ذلك كما لو أنك تسير في مسار مستقيم، وتتحرك للأمام، وبالتالي ستشعر بالزمن بالطريقة التي نعرفها.
الآن تخيل مسارًا زمنيًا آخر يتقاطع مع المسار الأول، ويسير بشكل عمودي عليه.
إذا استطعتَ السير على هذا المسار العمودي، والبقاء في نفس اللحظة من “الزمن العادي”. فقد تجد أن الأمور قد تختلف قليلًا، ربما نسخة مختلفة من نفس اليوم.
قد يتيح لك السير على هذا المسار الثاني العمودي استكشاف نتائج مختلفة لذلك اليوم. دون الرجوع إلى الوراء أو الأمام في الزمن كما نعرفه.
حل السببية وتطور الطاقة
وجود هذه النتائج المختلفة هو البُعد الثاني للزمن. أما وسيلة الانتقال من نتيجة إلى أخرى فهي البعد الثالث.
وصرح Kletetschka، بأن نظريته تتغلب على بعض مشاكل نظريات الزمن ثلاثية الأبعاد السابقة القائمة على الفيزياء التقليدية.
على سبيل المثال، تصف هذه النظريات السابقة أبعادًا زمنية متعددة تكون فيها علاقات السبب والنتيجة غامضة.
تضمن نظرية Kletetschka، أن الأسباب لا تزال تسبق النتائج، حتى مع وجود أبعاد زمنية متعددة. ولكن في بنية رياضية أكثر تعقيدًا.
في الزمن ثلاثي الأبعاد، يعتقد بعض الباحثين، ولا سيما الفيزيائي النظري Itzhak Bars من جامعة جنوب كاليفورنيا، أن الأبعاد الثانية والثالثة تصبح واضحة، أو تتكشف، عند مستويات الطاقة القصوى، مثل تلك التي حدثت أثناء الكون المبكر أو في تفاعلات الجسيمات عالية الطاقة.
فيلم Interstellar وحل الجاذبية
يعتقد Bars وغيره من علماء الفيزياء النظرية، أن السعي وراء نظرية الزمن ثلاثي الأبعاد يمثل سبيلًا للمساعدة في الإجابة على بعض الأسئلة الفيزيائية الكبرى التي حيرت العلماء.
قد يسهم نهج Kletetschka في حل أكبر تحديات الفيزياء التي لم تحل بعد، مثل: توحيد ميكانيكا الكم – سلوك الجسيمات على أصغر المقاييس – والجاذبية في نظرية كمية واحدة للجاذبية.
ستوحد هذه النظرية المُوحدة، التي يصعب الوصول إليها حاليا ، القوى الأساسية الأربع للطبيعة: الكهرومغناطيسية، والقوة النووية القوية، والقوة النووية الضعيفة، والجاذبية.
وتعد تلك النظرية والتي تدعي نظرية كل شيء هدفًا أساسيًا للفيزياء الحديثة. كما أن معضلة إيجاد أصل كتل الجسيمات أمرًا محوريًا في الفيزياء.
يعتقد Kletetschka أن نظريته عن الزمن ثلاثي الأبعاد يمكن أن تساعد على إيجاد حلول لتلك المعضلات.
حيث تستنج نظريته الكتل المعروفة لجسيمات، مثل: الإلكترونات و الميونات والكواركات بدقة. كما يمكنها أن تفسر سبب امتلاك هذه الجسيمات لهذه الكتل.
وينهي تعليقاته، قائلًا: “قد يتطلب طريق توحيد القوى إعادة النظر جذريًا في طبيعة الواقع الفيزيائي نفسه. حيث تظهر هذه النظرية كيف يمكن للنظر إلى الزمن على أنه ثلاثي الأبعاد. وكيف يمكن أن يحل هذا التصور بشكل طبيعي ألغازًا فيزيائية متعددة من خلال إطار رياضي واحد متماسك”.


















