مجلة عالم التكنولوجيا
مجلة تكنولوجية شاملة

دراسة حول البراكين العملاقة تكشف تغيرات المناخ الحالية والمستقبلية

15

أجرى البروفيسور الدكتور جورجي ستنتشيكوف؛ أستاذ علوم الأرض والهندسة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، مع شركاء في معهد ماكس بلانك ومعهد ناسا جودارد لدراسات الفضاء وجامعة الملك سعود، أبحاثًا حول البراكين العملاقة القديمة؛ لاستنباط معلومات مهمة حول الظروف المناخية الحالية والمستقبلية.

يقول “ستنتشيكوف”: “تساعد البراكين العملاقة العلماء في تحديد الآليات الكامنة وراء العمليات المناخية الحالية والمستقبلية. إذ إنّ الانفجارات البركانية تسمح لنا بفهم الآليات الفيزيائية للمناخ بشكل أفضل؛ لإنها توضّح كيف يمكن لتغيير التوازن الإشعاعي للأرض أن يؤثر في المناخ. وهذا سيمكننا من التنبؤ بشكل أفضل بالاحترار العالمي وتغير المناخ في المستقبل”.

وفي ورقته البحثية بعنوان “الإشارات البركانية في المحيطات” أثبت “ستنتشيكوف” أنه بدءًا من عام ١٨٥٠ أدت الانفجارات البركانية إلى تأخير الاحتباس الحراري بمعدّل يقارب ٣٠ بالمئة. إذ إنّ الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ IPCC، حدّد عام ١٨٥٠ بوصفه خط أساس قياسيًا لدراسة درجات حرارة سطح الأرض، ليشمل فترة ما قبل الصناعة حتى يومنا هذا، وهي الفترة الزمنية التي تم فيها إطلاق معظم ثاني أكسيد الكربون.

ويرى أننا إذا أردنا أن نفهم المناخ فإن علينا أن نفهم آثار الانفجارات البركانية في المناخ، وأن ندرك أنّ النشاط البركاني في أي مكان يمكن أن يؤثر في الظروف الجوية للعالم بأسره.

واستشهد بثوران بركان بيناتوبو عام ١٩٩١ في الفلبين كمثال، ويقول: “كان أقوى ثوران بركان في القرن العشرين، وتسبب في انخفاض درجة الحرارة العالمية بمقدار نصف درجة مئوية. وكان له تأثير إقليمي قوي بشكل خاص في مناخ الشرق الأوسط”.

 

تأثير توبا في مستويات الأوزون

درس “ستنتشيكوف” وفريقه آخر ثوران لبركان عملاق على الأرض، وهو ثوران بركان توبا العظيم، الذي حدث قبل ٧٥٠٠٠ عام في سومطرة. وتدعم الأبحاث الحالية أن بركان توبا أثر في حجم السكان خلال ذلك الوقت، مستحدثًا ما يسمى “عنق الزجاجة السكاني”، وهو انخفاض حاد في حجم السكان بسبب حدث فردي.

يقول ستنتشيكوف: “تؤكد معظم الأبحاث التي أجريت على توبا أن الانفجار البركاني تسبب على الأرجح بحدوث شتاء بركاني. وذلك لأن البراكين تقذف ملايين الأطنان من الغازات مثل ثاني أكسيد الكبريت في الغلاف الجوي. هذه الغازات هي مقدمة لتكوين الهباء الجوي، وهو قطرات صغيرة ذات تركيز عالٍ من حمض الكبريتيك، يمكن أن تبقى في طبقة الستراتوسفير لبضع سنوات، وتؤثر في المناخ من خلال عكس الإشعاع الشمسي وتبريد الأرض. وتظهر سجلات المناخ أن درجات الحرارة انخفضت بدرجة كبيرة بعد انفجار توبا العظيم؛ ما أثّر في السكان والماشية والبيئة”.

ويعتبر أن بعض التحليلات لا تدعم هذا الرأي، مشيرًا إلى الدراسات الحديثة للرواسب في قاع بحيرة ملاوي بإفريقيا التي أظهرت عدم تأثرها كثيرًا بالتبريد، خاصة في المناطق الاستوائية؛ حيث كان معظم السكان يتركزون ذلك الوقت، لكنه يوضح: “لهذا السبب فإنّ دراستنا تنظر في التأثيرات الأكثر تنوعًا للسحب البركانية أو الانبعاثات البركانية على كيمياء الستراتوسفير”.

نماذج ستنتشيكوف هي الأولى التي تفسر التأثير الإشعاعي لثاني أكسيد الكبريت في التسخين الإشعاعي ومعدلات التحلل الضوئي في الستراتوسفير. فهذا الأخير يتحكم في التفاعلات الكيميائية الضوئية في الغلاف الجوي، وقد وجد فريقه أن نسبة كبيرة من الأوزون تتلف في سياق مثل هذه الانفجارات.

يوضّح ستنتشيكوف: “نحن نعلم أن انبعاثات الهالوجينات تدمر طبقة الأوزون في الستراتوسفير. ونعلم أيضًا أن انبعاثات بركان توبا العظيم لم تكن غنية بالهالوجينات. ومع ذلك، حتى بدون الهالوجينات، لاحظنا استنفادًا قويًا لطبقة الأوزون”.

وقد أثبتت الأبحاث في العقود الأخيرة أن استنفاد طبقة الأوزون ناتج عن مركبات الكربون الكلورفلورية. تحدث هذه الظاهرة في القطبين، ومعظمها في القطب الجنوبي حيث لا يوجد سكان، على الرغم من أن دول نصف الكرة الجنوبي مثل نيوزيلندا وأستراليا تتأثر أيضًا.

ويشرح ستنتشيكوف: “في حالة توبا وجدنا ثقبًا للأوزون ليس في القطبين ولكن بالمناطق الاستوائية، وقد استمر لعدة سنوات. وهذا لم يؤثر في البشر فحسب بل أثر أيضًا في النباتات والحيوانات. ما يعد عاملًا قويًا آخر تسبب في تدهور الظروف البيئية والانخفاض الحاد في درجة الحرارة، على نحو أثّر سلبًا في البشر خلال ذلك الوقت”.

 

ستينشيكوف في مبنى الموارد الساحلية والبحرية في كاوست
ستينشيكوف في مبنى الموارد الساحلية والبحرية في كاوست

 

 

العلم وراء الاستنتاجات

تشمل الآلية التي تستند عليها استنتاجات “ستنتشيكوف” نمذجة رياضية للنظام، يقارنها بعدئذ مع الملاحظات المرصودة. وعلى الرغم من عدم وجود العديد من الملاحظات التي يمكن الرجوع إليها منذ ٧٥٠٠٠ عام إلا أنه يقول إن ثمّة بيانات قديمة تتوفر لدينا من ذلك الزمن.

ووضع هو وفريقه افتراضات فيزيائية في نموذجهم، وابتكروا سلسلة تجارب عددية توضح نتائج هذه الافتراضات. وللتأكد من أنها ذات مغزى فقد دعموا جميع التفسيرات الفيزيائية بالنتائج.

يقول: “بهذه الطريقة نحاول دراسة الماضي والمستقبل. ونجري عمليات محاكاة محاولين جعلها ذات دلالة إحصائية، ونجد آليات فيزيائية تفسر ما نراه”.

 

تعاون يجمع بين كاوست وشركائها

للمساعدة في عدد من العمليات الحسابية الثقيلة المطلوبة للنموذج، يستخدم فريق ستنتشيكوف الكمبيوتر العملاق في كاوست.

وشارك في البحث شركاء متنوعون. وعمل فريق ستنتشيكوف مع معهد ماكس بلانك MPI للكيمياء بألمانيا، ومعهد ناسا جودارد لدراسات الفضاء NASA GISS بالولايات المتحدة الأمريكية، وجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية.

يقول ستنتشيكوف: “لقد استخدمنا النموذج من معهد ناسا جودارد، وعدّلناه ليشمل تأثيرات خاصة بالمشكلة. ومعهد ماكس بلانك هو رائد في تطوير الميكانيزمات الكيميائية الستراتوسفيرية. وأحد طلبتي الذين يحضرون لنيل الدكتوراه من كاوست، سيرجي أوسيبوف، هو مصمم نماذج مناخ وخبير في كيمياء الهباء الجوي/ الغلاف الجوي، لذلك عملنا على هذا معًا، وأعتقد جازمًا أن عملنا المشترك طويل الأمد مع معهد ماكس بلانك مفيد لكاوست”.

 

ماذا يعني هذا الأمر بالنسبة للشرق الأوسط؟

تؤثر الانفجارات البركانية حول العالم تأثيرًا شديدًا في منطقة الشرق الأوسط.

على سبيل المثال: بعد انفجار بركان بيناتوبو عام ١٩٩١ في الفلبين كان هناك تساقط قوي للثلوج في شمال الشرق الأوسط، وهو شائع بعد الانفجارات القوية. وفي عامي ١٩٩١ و١٩٩٢ كان لهذه الانفجارات تأثير قوي في البحر الأحمر؛ إذ شهدنا ابيضاض الشعاب المرجانية في البحر الأحمر لمدة عامين بسبب تبريد السطح وتعزيز اختلاط المياه بالقرب منه.

وفي سبتمبر ٢٠٠٧ ثار بركان جبل الطير في جنوب البحر الأحمر؛ ما أدى إلى تكوين جزيرة بركانية هناك.

يقول ستنتشيكوف: “انبعثت من هذا الانفجار البركاني كمية لا بأس بها من ثاني أكسيد الكبريت، وكان ذلك حدثًا مثيرًا للاهتمام؛ إذ يمكن أن يتأثر الشرق الأوسط بأكمله بالانفجارات القوية، ولهذا فمن المنطقي النظر إلى تأثيراتها في المنطقة”.

 

الدراسات المستقبلية للبراكين العملاقة

يقول “ستنتشيكوف” إنه لم تكن توجد دراسات أو ملاحظات كافية تتناول المرحلة الأولية للانفجارات البركانية. علاوة على ذلك لا تقدم النماذج المناخية الحالية المستخدمة لدراسة تأثير الانفجارات البركانية تفاصيل كافية. ولمعالجة هذه الفجوة قام هو وفريقه بتعديل النماذج الحالية من أجل فهم أفضل للمراحل الأولى للسحابة البركانية.

وأضاف: ” أظهر نموذجنا أنه خلال الأسبوع الأول بعد ثوران بركان بيناتوبو عام ١٩٩١ ارتفعت السحابة البركانية في الغلاف الجوي كيلو مترًا واحدًا في اليوم. وكان الدافع وراء ذلك هو امتصاص الرماد البركاني الشمسي، وبعد ذلك امتصاص رذاذ الكبريتات للإشعاع الشمسي والأرضي”.

ويشير إلى أن هذه النتائج قد تكون مفيدة لمجموعة من الصناعات، مثل سلامة الطيران، وأنه يمكن استخدام النماذج كأدوات لفهم تقنيات المناخ والهندسة الجيولوجية.

كاوست

 

اقرأ أيضًا:

شراكة بين “نيوم” و”كاوست” لإنشاء أكبر حديقة مرجانية في العالم

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.