الساعة الذرية الأكثر دقة في العالم.. اختلاف التوقيت ثانية كل 30 مليار سنة

ساعة حائط قديمة

من “المزولة” إلى الساعة الذرية، اهتمت البشرية منذ قديم الأزل، بقياس ومعرفة الوقت؛ حيث استخدم العديد من الأساليب لقياسه عبر مختلف الحضارات. ومن هذه الطرق المشهورة الساعة الشمسية أو المزولة لمعرفة الوقت نهارًا.

 

نموذج مزولة

كما استخدم البشر الساعات الرملية ليلًا لمعرفة الوقت. واستمر ذلك عبر عصور عدة، حتى جاء العصر الذهبي للوقت في العهد الإسلامي، وابتكرت الساعات الميكانيكية بأشكالها الكثيرة والمتنوعة. وتبعت ذلك الساعات الكهربائية والذرية في القرن الواحد والعشرين.

ساعة رملية

 

ويستعد العالم لتحول جذري في دقة قياس التوقيت، بعد أن تمكن العلماء من إنتاج ساعة ذرية دقيقة للغاية، تظهر خطأ في التوقيت، بمقدار ثانية واحدة، بعد 30 مليار عام من تشغيلها.

وفيما يلي، نسرد من خلال عالم التكنولوجيا في السطور التالية ما توصل إليه العلماء ومدى تأثيره على حياة البشر:

قياس الوقت

في الماضي، كان البشر يؤقتون أحداثهم بالليل والنهار والأعوام، ولم تكن هناك حاجة إلى تخصيص أكثر في الوقت. حيث كان معظم المجتمعات زراعية بالأساس.

ثم ظهرت أهمية قياس الوقت مع تطور البشر الحياتي والاجتماعي. ولكن في القرن الأخير ظهرت أهمية متعاظمة لدقة قياس الوقت.

إذا استعملت خدمات الـ GPS المدمجة في جوالك لمعرفة طريق أو استقبلت إشارات القمر الصناعي على تلفازك، فأنت تستخدم ضمنيًا ذلك التوقيت الدقيق للوقت. بل حتى أنك تستخدمه الآن لقراءة هذا المقال؛ حيث تضبط خوادم الإنترنت بواسطة ساعة دقيقة للغاية.

فمع بزوغ فجر ثورة الاتصالات الحديثة، اكتشف العلماء أهمية قياس الوقت، لدقة قد تصل إلى جزء من 15000000000 (جزء من خمسة عشر مليار جزء من الثانية).

في الاتصالات الحديثة يتم استخدام الموجات الكهرومغناطيسية، مثل موجات الراديو والميكروويف، في الاتصال بين أجهزة الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية في محيط الكرة الأرضية، وفي الفضاء وأقمار التموضع العالمي GPS.

ومن المعروف أن سرعة الموجات الكهرومغناطيسية، هي سرعة الضوء، وتقدر بحوالي 300 ألف كم/ ثانية، وهي سرعة كبيرة جدًا.

أهمية الوقت في تحديد المواقع

لنأخذ GPS مثالًا، يتصل جوالك بأربعة أقمار في وقت واحد؛ حيث يرسل كل منهم موقعة الدقيق والوقت على متنه ويستقبلها الجوال ويحللها كلًا على حدا.

بمعرفة الوقت المستغرق لوصول الرسالة إلى الهاتف وموقع القمر الصناعي، يمكن للهاتف حساب إحداثيات احداثياته بدقة قد تصل في بعض التطبيقات العسكرية إلى السنتيمتر. في هذه العملية نحتاج لدقة لا توفرها إلا ساعة ذرية فائقة الدقة.

فإذا كانت الساعات على كل الأقمار غير متزامنة ودقيقة جدًا، فإن الحصول على موقع الهاتف الحقيقي يعد مستحيلًا عمليًا. حيث إن خطئًا بين الساعتين يقدر بالملي ثانية (جزء من الف من الثانية)، سيعطي خطئًا في الإحداثيات قدره 300 كيلومتر كاملة!.

 

كيف تحدد أجهزة GPS الموقع؟

 

ويُعد هذا خطأ كارثي في توجيه الطائرات والتطبيقات العسكرية، حتى المدنية العادية. ولهذا لزم تطوير ساعات تكون دقتها عالية جدًا.

الوقت في الفضاء

في مهمات استكشاف الفضاء، يصبح الزمن المستغرق طويلًا على نحو ملحوظ، نظرًا لاتساع المسافات الشاسعة بين المركبات والأرض.

فعلى سبيل المثال، يمكن للضوء أن يستغرق حتى 20 دقيقة للوصول إلى المريخ ، و20 دقيقة أخرى للعودة، حسب الوضع النسبي للأرض والمريخ.

فبفرض أن المركبة لا تمتلك ساعة دقيقة ومتزامنة مع تلك الموجودة في محطة التحكم فإن المهمة ستفشل حتمًا، نظرًا للخطأ في تحديد مكان المركبة.

وكذلك سيكون الحال في الهبوط على سطح المريخ مثلًا أو غيره من الكواكب. كل هذه التطبيقات مجتمعة كانت السبب في تطوير ساعات ذرية بدقة عالية.

جولة حول طرق قياس الوقت عبر التاريخ

بداية، في عصور ما قبل الميلاد كانت الساعة الشمسية أو “المزولة” هي أداة قياس الوقت، وكانت تعتمد على الظل في تحديد الوقت خلال ساعات النهار. وتكمن فكرتها في تتبع ظل عمود يتغير موضعه بحركة الشمس في السماء باختلاف وقت النهار.

كما استخدمت الجاذبية بطريقة غير مباشرة في قياس الوقت. وكان ذلك في الساعات الرملية والمائية. ويمكن شرح فكرة عملهما في وجود مخزون من الماء أو الرمال الناعمة التي يسمح لها بالتدفق من فتحة ذات قطر محدد.

وتعمل الجاذبية على سحب الماء أو الرمل لأسفل، عبر الفتحة، ويمكن معايرة الوقت اللازم لنضوب الرمل أو الماء ورسم تدريجًا يمثل الوقت المنصرم من بداية ملء الماء أو قلب الساعة الرملية رأسا على عقب .

وفي أثناء الليل، كان الأنسان يعتمد فى قياس الوقت على العديد من أشكال الساعات المعتمدة على الاحتراق المنتظم للشمع أو البخور، كما هو الحال في الساعة الشمعية وساعة البخور.

كما تمكن المسلمون من اختراع آلات معقدة لقياس الوقت عن طريق ارتفاع الشمس في السماء نهارًا وارتفاع نجوم محددة في الليل وهي “الاسطرلاب”. ويعد الاسطرلاب أول ساعة تمكن من قياس الوقت في العالم ليلًا أو نهارًا بدقة جيدة نوعًا مًا.

الساعات الميكانيكية

ساعة ميكانيكية

واستمرارًا لاستخدام الجاذبية في تشغيل الساعات، تم تطوير ساعات ذات دقة عالية، باستخدام البندول كضابط للوقت. في تلك الساعات يعلق ثقل كبير في جسم الساعة. وتعمل الجاذبية على محاولة سحب الثقل من الأعلى إلى الأرض.

ويتأرجح البندول ذهابًا وإيابًا محركًا معه مجموعة من التروس التي تحد من سقوط الثقل. وبين هذا وذاك تدار عقارب الساعة مشيرة إلى الوقت الفعلي. وعند انخفاض الثقل يرفعه الإنسان إلى وضعه الأصلي بالأعلى أو ترفعه ميكانيكية كهربائية إلى ذات المكان.

وفي نوع آخر من الساعات التي انتشرت قديمًا، وما زالت منتشرة حتي الآن ، الساعات المعتمدة على الزنبركات (ٍSpring). تحتفظ الزنبركات بالطاقة الحركية على هيئة طاقة وضع تتحرر عن تركها حرة.

ساعة ذنبركية
ساعة زنبركية

في تلك الساعات، يلف الإنسان الزنبرك الدائري للساعة، ومن ثم يحاول الزنبرك العودة إلى الوضع الأصلي، ما يمنح الساعة الطاقة للدوران. ويمكن ضبط عملية الدوران، باستخدام مهتز يشبه البندول في الساعات سابقة الذكر.

الساعات الكهربية

تشبه هذه الساعة إلى حد كبير نفس الفكرة المستخدمة في الساعات الميكانيكية، غير إنها تستخدم الكهرباء في إدارة الساعة وتحديد الوقت.

فكانت هناك أنواع تستخدم المحركات الكهربائية كدافع أساس لحركة الساعة ومدمج معها تراكيب ميكانيكية للتحكم في الحركة.

وهناك بعض الأنواع التي كانت تستخدم أجزاء كهربائية مغناطيسية تسمي “سولونيد” يمكن التحكم في مغناطسيتها باستخدام الكهرباء، واستخدامها كمهتزات للساعات الحديثة نسبيًا عن الساعات الميكانيكية.

ساعات الكوارتز الحديثة

عرفت بعد اكتشاف خاصية الضغطية الكهربائية (Piezoelectric)، وهي خاصية تمتلكها بعض المواد في الطبيعة.  يمكن أن تولد هذه المواد جهدًا كهربائيًا لو تم التأثير عليها بجهد ميكانيكي.

وفي نفس الوقت، يمكن لتطبيق جهد كهربي عليها أن ينتج تغيراً في أبعاد تلك المواد. وفي كلا الحالتين تعود المواد إلى حالتها الطبيعية عند زوال المؤثر. ومن أهم أمثلة تلك المواد “أحجار الكوارتز” أو “كريستالات SiO2″. استخدمت هذه الخاصية في صناعة ساعات دقيقة بداية من سبعينيات القرن الماضي.

كيف تعمل ساعات الكوارتز؟

تصنع مهتزات الكوارتز من كريستالات صغيرة على شكل شوكة رنانة داخل الساعات الحديثة. إذا وصل جهد لهذه الكريستالات ستهتز بتردد طبيعي خاص بالكوارتز نفسه؛ لأنه يتمتع بخاصية الضغطية الكهربائية. ويمكن فهم الأمر كما لو كان الجهد الكهربائي يمثل الطرق في حالة الشوكة الرنانة.

ويعتمد تردد الكرستالة على أبعادها، فإن الساعات تستخدم كريستالات تنتج تردد قدره 32768 هرتز. أي أن تلك الكريستالات تهتز 32768 مرة في الثانية الواحدة.  ويغذي هذا التردد مجموعة دوائر إلكترونية تسمى Flip-Flop تحول هذا التردد إلى نبضة كل ثانية. وهذه النبضة هي التي تحرك عقرب الثواني، لتعمل الساعة بدقة.

متذبذب كريستالي

 

يمكن إنتاج مهتزات بترددات مختلفة من الكوارتز، بنفس الطريقة والمفهوم. وتستخدم هذه المهتزات في كل الأجهزة الإلكترونية الرقمية الحديثة تقريبًا.

ساعة ذرية دقيقة للغاية

 

الساعة الذرية الجديدة

 

يعتقد كثير من الناس أن الساعات الذرية تستخدم الإشعاعات النووية في قياس الزمن، لكنها في حقيقة الأمر تستخدم موجات الميكروويف المألوفة التي تستخدم في طهي الطعام.

تستخدم الساعة الذرية، عنصر السيزيوم 133، في طريقة حساب الزمن. ويشع عنصر السيزيوم، عند تعرضه للإثارة بواسطة أشعة الميكروويف، موجات بتردد 9192631770 ذبذبة في الثانية.

ويمكن استخدام هذا التردد بنفس الطريقة التي تستخدم فيها كريستالات الكوارتز، في ساعات الكوارتز، غير إن هذه الطريقة تعطي ترددًا أكبر بكثير، ما يقلل من الخطأ بشدة.

كما يمكن لساعة ذرية صنعت حديثًا أن يكون مقدار الحيود في التوقيت ثانية فقط في زمن قدره 30 مليار عام، أي أكثر من عمر الكون المفترض حاليًا من قبل العلماء.

 

 

 

 

الرابط المختصر :