هل الألعاب خير أم شر؟ هل يقتصر الأمر بالنسبة لشركات الألعاب على الربح فقط أم هناك أهداف أعمق من ذلك؟ ما تأثير ألعاب الإنترنت فينا وفي مستقبل أطفالنا؟ أسئلة كثيرة يطرحها كتاب “ألعاب الواقع“.
وعدتنا التكنولوجيا والإنترنت بتسهيل وتبسيط حياتنا لكي نوفر وقتًا نستمتع أو نقرأ أو نهتم فيه أكثر بأسرتنا، خاصة أطفالنا. الهدف هو أن نزرع فيهم ما يجعلهم يعيشون حياة أفضل من حياتنا، فهل هذه هي الحقيقة؟
الحقيقة هي أن حياتنا أصبحت أكثر تعقيدًا وأقل تواصلًا مع أحبائنا. جعلتنا التكنولوجيا منغلقين أكثر في ذواتنا، محصورين إما داخل شاشات الكمبيوتر أو في مساحات أضيق كشاشات الهواتف الذكية.
إذا أصابنا الملل أو الفتور لا نحاول الاتصال أو لقاء شخص أو التريض أو التنزه. على العكس من ذلك نتجه بشدة نحو هذه الشاشات نفسها. إما أن نمارس لعبة أو نشاهد مقطع فيديو أو ربما فيلمًا أو حتى نتصفح ما يقوله أناس -لا نعرفهم- على مواقع التواصل الاجتماعي عن موضوعات متعددة قد لا تهمنا على الإطلاق.
منطق الألعاب
من بين هذه الأشياء التي لا نلقي لا بالًا هي الألعاب. فكل ما ندركه عن الألعاب أنها ذات منطق بسيط يخرجنا من الملل والفتور لكنها في الحقيقة تدخلنا في مساحات أخرى وتؤثر في سلوكنا ونظرتنا للحياة.
كيف ذلك؟ في كتاب “ألعاب الواقع” للكاتبة كيلي كلانسي الصادر هذا العام ما يجعلنا ننظر إلى هذه الألعاب بنظرة مختلفة تمامًا.
صدمة كبيرة
أول جملة تخاطبك بها الكاتبة تُدخلك في صدمة عميقة. تقول الكاتبة “إن اعتمادنا المفرط على بساطة منطق اللعبة يفسر لنا سبب خروج الرأسمالية عن السيطرة”. لكن ما علاقة الألعاب بالرأسمالية والصراع الدائر في الحياة الواقعية؟
تضيف الكاتبة: “إننا نمارس الألعاب لكي نخرج مما يحدث يوميًا في بقاع العالم من مشاهد الدم والدمار، لنكتشف أننا في الحقيقة نمارسها في الفضاء السيبراني”. بمعنى آخر: ممارسة الألعاب في الفضاء السيبراني تنعكس علينا في حياتنا اليومية من سلوكيات حادة مع أسرنا ومجتمعنا.
والسؤال المهم هو: كيف يكون الحال مع جيل الإنترنت الذي يمارس هذه الألعاب منذ نعومة أظفاره؟
فلسفة الألعاب بشكل عام وألعاب الإنترنت بشكل خاص
وقبل الخوض في التفاصيل وفلسفة هذه الألعاب كما تقول الكاتبة؛ لنسأل أنفسنا: ما آخر لعبة مارستها ومتى؟ هل تغلبت على أحد في لعبة مثل الشطرنج؟ هل لعبت لعبة “سوشي جو” مع أطفالك؟ هل أهدرت ساعات من حياتك في لعبة “بالدور جيت” أو Baldur’s Gate 3؟!
تقول الكاتبة إنه حتى لو لم تتذكر فالحقيقة أنك لعبت لعبة ما في يومك. مثلًا: ألم تجذبك مواقع التواصل الاجتماعي وربما أجبرتك بشكل خفي على استعراض صفحات أشخاص لا تعرفهم؟ ألم تشاهد مقاطع فيديو لا تعرف من أين أتت للعرض عليك أو دخلت لتتصفح مواقع أخرى لا تفيدك في العمل؟
هذه الألعاب هي نفسها في الحقيقة عندما تلعب مع نفسك؛ فأحيانًا تعد خطواتك أثناء السير أو تخضع في حياتك اليومية لضغوط الاقتصاد أو إجراءات حكومية تراها قاسية مثل فرض ضرائب أو ما شابه.
وكرد فعل طبيعي نحاول أن نمارس تكتيكات لكي نخرج من هذه المشكلات؟
كذلك الأمر عندما نذهب للحصول على قرض، أو البحث عن فرصة عمل في شركة أو نحاول تلبية رغبة أو دافعًا أو حتى قضاء وقت ممتع؟ في كل هذه الأحوال أنت تمارس لعبة من الألعاب لكن دون أن تدري.
مخاطر الألعاب
إن الألعاب بصورتها الحالية، خاصة ألعاب الإنترنت، أصبحت بمثابة علامة على التفاهة؛ بعكس ما كانت تعنيه الألعاب في الماضي؛ حيث كانت بمثابة طريقة لبناء الجسم أو تنشيط العقل.
في المقابل أصبحت ألعاب الإنترنت طريقة لكي يفقد الناس أنفسهم بدلًا من فهمها. لكن ذلك لا يعني أنه ليس وراءها أهداف ضخمة مقصودة لذاتها.
وتشرح كيلي كلانسي ذلك في كتابها المثير للجدل “Playing with Reality” بالقول إن الألعاب ليست غير جادة كما يبدو؛ بل هي شيء جوهري وأساسي للنمو والتعلم والبقاء على قيد الحياة. وأيضًا طريقة لفهم أجسامنا وتاريخنا ومستقبلنا.
وتلامس الألعاب بطريقة ممارستها والاختيارات أو البدائل أو الاحتمالات فيها والتكتيكات والأهداف والجوائز كل زاوية أو جانب من جوانب حياتنا الطبيعية أو الاصطناعية.
إن هذه الألعاب يمكنها أن تعكس نبضاتنا البيولوجية واستراتيجياتنا المتطورة والتراكيب الاجتماعية وحتى مفاهيمنا حول الأخلاق والعدالة؛ لذلك فاللعبة ليست شيئًا نختار أن نلعبه أو لا؛ بل هي ظل لواقع لا ندرك حتى أننا نعيش فيه.
هل لألعاب الإنترنت أغراض خاصة؟!
وبذلك تكون الألعاب على الإنترنت لها أغراض ربما لا تكون مفهومة للبعض لكنها واضحة بالنسبة لمنتجيها أو للشركات التي تحاول الاستحواذ عليها واحتكارها.
انظر مثلًا إلى صفقة الاستحواذ الكبرى التي تحاول فيها مايكروسوفت شراء شركة “أكتيفجن” بمبلغ 65 مليار دولار، ستلاحظ شيئًا غريبًا. لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية ترفض الصفقة بحجة الاحتكار من جهة وبحجة أنها تخرج ألعاب نينتندو وسوني من جهة أخرى، وكذلك ترفضها هيئة مكافحة الاحتكار في بريطانيا.
في المقابل يوافق عليها الاتحاد الأوروبي؛ فلماذا رفض هذا ووافق ذلك؟
الألعاب قديمة قِدم الإنسان
تنسج المؤلفة كيلي كلانسي وصفًا واضحًا لهذه الألعاب وتطورها من التاريخ القديم فتقول إنها تسبق اللغة المكتوبة، وليس فقط العالم الحديث الذي نعيش فيه المتخم بأجهزة الكمبيوتر والإنترنت.
وتشرح لنا دور “الدوبامين” في التعلم والقيمة الأساسية للعشوائية وعدم التوقع والصدف وإدماننا للاحتمالات والمفاجآت.
لكن ما علاقة ذلك بألعاب الكمبيوتر والإنترنت؟ تغطي الكاتبة زاويا متعددة بين البشر والكمبيوتر في ميادين الألعاب، خاصة ألعاب الحروب والتعامل مع قضية الذكاء الاصطناعي -ما يسمى “النماذج اللغوية الضخمة”- والذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT .
وهنا تتساءل الكاتبة؛ هل هذا خطر علينا وعلى أطفالنا ومستقبلهم؟ وهل أصبح علينا فرضًا أن نعامل اللغة كما لو كانت لعبة بلا معنى؟ وإلى أين سيؤدي بنا ذلك؟
وبمهارة تستدعي كيلي كلانسي التاريخ لكي تضعنا في لحظات مشابهة لما نعيشه وإسقاط ذلك على أنواع معينة من الألعاب؛ فمثلًا لعبة Kriegsspiel كانت محبوبة من قادة القرن العشرين مثل أدولف هتلر. هذه اللعبة توجد فيها مجموعة من الليبراليين يجردون الحكومة من مواردها.
الأمر نفسه في لعبة “السلم والثعبان” الموجودة من القرن الثالث عشر، والتي تستوحي أفكارًا تتحدث عن الجنة والقدر.
قوة نفوذ الألعاب
تعود الكاتبة لكي تشرح لنا أن الألعاب قوة شاملة وكبيرة. وتحذر من أن الاعتماد على بساطة منطق اللعبة في الماضي أدى إلى تدمير الامبراطوريات وتسريع جرائم الحروب وتقويض التعليم ومساعدة الرأسمالية المتوحشة. وسبّب تسارع هذه الأحداث في بداية القرن الماضي إلى دفع العالم نحو حافة الكارثة النووية.
وتضيف الكاتبة أن الرأسمالية هي مثال تبسيطي واضح على هذا المنطق. وتشرح بالقول إن الرأسمالية وعدتنا بأن التكنولوجيا والعمل القائم على الألعاب سيحررنا من ضغوط العمالة لكن الواقع عكس ذلك.
أدت التكنولوجيا إلى مزيد من الأرباح لصالح الشركات المنتجة لها والعاملين فيها، بما في ذلك الشركات المنتجة للألعاب. بمعنى آخر: ولدت سلوكيات مؤذية للبشر خاصة الأطفال؛ منها: إدمان هذه الألعاب ومخاطرها على الصحة العامة.
الأمر الآخر المثير للجدل هو أن هذه الألعاب أصبح يمارسها الجميع. أغنياء وفقراء. المشكلة في هؤلاء الفقراء الذين تجبرهم هذه الألعاب على مبدأ معين هو إما النصر أو الهزيمة. هذا المبدأ هو نفسه مبدأ الرأسمالية، إما أن يكسبوا كل شيء أو لا يكسب غيرهم أي شيء.
أي أن الفقراء من حيث لا يشعرون يمارسون نوعًا من الاحتكار؛ أي يصبحوا رأسماليين في دواخلهم وهم لا يملكون إعالة أنفسهم؛ أي أن دورة حياتهم في خدمة غيرهم.
لماذا تحرص الشركات على أن تظل الألعاب سهلة؟
وبشيء من التفصيل تقول الكاتبة إن مجرد استخدام موهبتنا في التكيف مع قواعد اللعبة حتى عندما تنحرف بشكل كبير عن قيمنا أو خبراتنا هو ميزة في هذه الألعاب.
وتؤكد أن هذه الميزة هي الأكثر سحرًا وشرًا في الوقت نفسه؛ لأنها تمثل السهولة التي تجعلنا ننجذب بشكل أكبر إليها بدلًا من أن تمثل لنا فاصلًا يريح أنفسنا من أعباء الحياة وألعابها الثقيلة.
تقول كيلي “إن منظري الألعاب يبحثون عن حلول عالمية في الرياضيات المجردة (أي تصميم الألعاب) بينما حالة العالم سيئة للغاية؛ لأن قادته يؤمنون باستخدام الحلول التكنوقراطية”.
بمعنى آخر: تشكل هذه الألعاب شعورًا صعبًا لدي ممارسيها؛ حيث يرونها معادلات صفرية: إما النصر أو الهزيمة، إما المكسب أو الخسارة.
وتحذر الكاتبة من أن عدد هؤلاء الذين ينظرون إلى العالم بنفس النظرة يتزايدون بكثافة بزيادة ممارسة هذه الألعاب. وهم يتكاثرون على جميع المستويات؛ ما يجعل اقتراب حدوث كوارث عالمية أمرًا ليس بعيد المنال.
أسئلة كثيرة تطرحها “كيلي” نحتاج إلى أن نفكر فيها مثل: هل هناك طريقة للهروب من معظم الأفكار المدمرة التي خرجت من ممارسة هذه الألعاب بكثافة؟
السؤال الأكثر غموضًا: هل يوجد شيء في حياتنا لا يتأثر بهذه الألعاب التي نترك أطفالنا معها بالساعات؟
الألعاب.. خير أم شر؟
الكتاب في النهاية لا يقدم حلولًا لكن توصيف للحال الذي نحن فيه. ويركز على القضية الأساسية وهي “الألعاب موجودة منذ القدم وغرضها اكتشاف أنفسنا”.
لا تتوقف الكاتبة عن طرح الأسئلة في الكتاب والسؤال الأهم على الإطلاق هو لنا جميعًا حتى نجيب عنه: ما هو اللاعب الذي نختار أن نكونه؟ هل هو الطرف الشرير أم الطرف الخير؟
اقرأ أيضًا















