منذ الحرب العالمية الثانية، ظل اليورانيوم يُذكر بوصفه عنصرًا محوريًا في السياسات الدولية وصراعات القوى الكبرى. فهذا العنصر الأرضي، وكذلك التقنيات المرتبطة به، يعدّ أحد الركائز الأساسية في صناعة النفوذ العسكري على مستوى العالم.
ويبقى التساؤل قائمًا: ما الذي يمنح اليورانيوم هذا القدر من الأهمية؟ وما هي الخصائص التي تجعله محطّ أنظار الدول وصراعاتها؟
اليورانيوم كعنصر أرضي
اليورانيوم عنصر طبيعي يمكن استخلاصه بطرق كيميائية شائعة من مناجمه المنتشرة في القشرة الأرضية. في صورته المعدنية النقية، يتميز بلونه الفضي اللامع، مشابهًا لمظهر بعض المعادن الثقيلة مثل الرصاص أو النيكل. ومع تعرضه للهواء يتأكسد سطحه ويتحول لونه إلى الأسود أو الأخضر الداكن وذلك نتيجة تكوّن طبقة من الأكسيد.
أما أكسيد اليورانيوم نفسه، فيظهر بلون أصفر زاهٍ، وهو اللون المميز للمركب المعروف باسم “الكعكة الصفراء”، الناتج عن عمليات الاستخلاص الأولية.
واليورانيوم عنصر فلزي يحمل 92 إلكترونًا موزعة في مداراته الذرية، وله ثلاثة نظائر طبيعية:
اليورانيوم-238: يشكّل حوالي 99.27% من اليورانيوم الموجود في الطبيعة.
اليورانيوم-235: يمثّل حوالي 0.72% من اليورانيوم الطبيعي، وهو النظير الوحيد القابل للانشطار.
اليورانيوم-234: يوجد بنسبة ضئيلة جدًا، تقارب 0.0055%، وينتج غالبًا عن تحلل النظير 238.
تشكل هذه الخصائص مجتمعة الأسس العلمية التي تجعل اليورانيوم عنصرًا استراتيجيًا بالغ الأهمية. لا سيما في الصناعات النووية المدنية والعسكرية.

النشاط الاشعاعي للعناصر
تتكون الذرات، كما هو معروف، من الكترونات وأنوية. نتعامل مع الإلكترونات وخصائها في الحياة العادية ، مثل انتقال التيار الكهربي والخواص المغناطيسية والأكسدة والتفاعلات الكيميائية. بينما تبقي النويات بعيدة المنال في الظروف العادية.
تتكون الأنوية من بروتونات وهي تمتلك شحنات موجبة ومساوية في العدد للإلكترونات ويمثل عددها بطاقة تعريف العنصر (العدد الذري).
وكذلك تحتوي النواة على نيوترونات متعادلة تتساوي في العدد مع البروتونات في العناصر الخفيفة بينما تزداد نسبتها تدريجيا داخل النواة بزيادة العدد لذري للعنصر. يوجد في الطبيعة عناصر تمتلك نفس عدد البروتونات في نوياتها، العدد الذري، ولكنها تختلف فى عدد البروتونات الموجودة داخل النواة. ويمكن رؤية ذلك جليا في اليورانيوم حيث تمتلك كل توأم عدد بروتونات يساوي 92 بينما أحدها يمتلك 146 نيوترونا والأخر 143. بينما يمتلك الأخير 142 نيوترونًا. وتسمي تلك النسخ أو التوائم اسم (النظائر). وصنف الانسان تلك العناصر تبعا لعددها الذري فيما يعرف بالجدول الدوري للعناصر.

الأشعة الصادرة من النواة
اكتشف العلماء بان العناصر التي تتواجد في أخر الجدول الدوى وهي عناصر ثقيلة تكون نوياتا نشطة وغير مستقرة. حيث يمكن لتلك النويات الانشطار الى نويات عناصر أخف كما يمكنها إصدار اشعاعات مادية أو كهرومغناطيسية. وتمثل تلك الظاهرة ظاهرة النشاط النووي الطبيعي.
وتصدر الذرات ثلاث أنواع من الاشعة هي:
أشعة الفا:
وهي اشعة جسيمية تحمل نفس شحنة وكتلة نواة ذرة الهيليوم. وهي أشعة تمتلك كتلة كبيرة نسبيا وذات شحنة موجبه.
ولا يمكن لتلك الأشعة اختراق جلد الانسام ويكفي البعد عن المصدر لبعض سنتيمترات لنتلاشى تأثيرها تمام.
أشعة بيتا:
وهي أشعة تصدر من النواة وتمتلك كتلة وشحنة الالكترون. ويمكن أن تصدر من النواة بسرعات عالية غير أنه يمكن لطبقة رقيقة من الالومينيوم حجبها.
أشعة جاما:
وتعد أشعة جاما أخطرهم حيث أنها اشعة كهرومغناطيسية ، تشبه في خصائصا أشعة X في المستشفيات غير أنها تحمل طاقة أكبر بكثير. ويمكن لأشعة جاما اختراق جسد الانسان والمباني واحداث أضرارا على المستوي الجيني وسرطانات. ولحجبها يجب عدم التعرض للمصدر أو حجبه في مربعات من الخرسانات السميكة أو الرصاص.
النيوترونات:
جسيم متعادل يمكنه اختراق كل المواد الموجودة فى الحياة البشرية العادية تقريبا ويمكن ايقافه بالماء أو الخرسانة المسلحة.
اليورانيوم كعنصر قابل للانشطار
بينما لا يمتلك النظير الأكثر وفرة لليورانيوم، 238 ، القدرة على الانشطار السلس حيث لا يتفاعل مع النيترونات البطيئة بسهولة. ولكن هذا ليس الحال مع النظير 235 والذي يمكنه التفاعل النووي مع النيترونات البطيئة والانشطار مطلقا كما هائلا من الطاقة. ويعد 235 هو النظير الأساسي في الانشطار النووي والقنابل النووية والمفاعلات. غير أن المشكلة تكمن في ندرته حيث يتواجد بنسبة سبع ذرات فقط من كل الف ذرة من العنصر الخام.
يمكن التغلب على ندرة النظير باستخدام عملية فصل تسمي التخصيب. حيث يمكن رفع نسبة 235 في الخام لنسب يمكن الاستفادة منها. يتم ذلك بطرق فيزيائية كاستخدام أجهزة الطرد المركزي أو الفصل الكهرومغناطيسي للعنصر.
ويمكن لمقدار صغير من اليورانيوم حال انشطاره اطلاق كمية هائلة من الطاقة. حدد ذلك أينشتاين في معادلته الشهيرة
![]()
وحيث تنص على ان الطاقة الناتجة من تحويل جرام واحد من المادة الى طاقة تساوي مربع سرعة الضوء. أو بمعني أخر ،فإن حرق جرام من اليورانيوم يعطي طاقة تعادل تقريبًا طاقة حرق حوالي 2600 لتر بنزين!.
هل حقا يمكن نقل اليورانيوم؟
في الآونة الأخيرة تداولت أنباء بان ايران قد نقلت اليورانيوم في منشأة فردو وتسائل الكثيرين عن إمكانية ذلك. يمكن الرد بسهولة بالأخذ في الاعتبار النشاط الاشعاعي لليورانيوم المخصب والخام. ومن المعروف بانه عنصر يتمثل نشاطه الاشعاعي فى اصدرا أشعة الفا. ما يسهل التعامل معه فى أغلب الأحوال بعيد عن التلوث الفعلي بانتشار العنصر فى البيئة.
يمكن بالفعل نقل اليورانيوم بكل اشكاله من المفاعلات ، بل أن ذلك يحدث دوريًا أثناء تشغيل المفاعلات السلمية. مع الأخذ بالحيطة والحذر لعدم حدوث تسرب اشعاعي يلوث البيئة. ويتم نقل اليورانيوم الخام أو المنضب الى براميل من الرصاص السميك ومن ثم يتم نقل تلك البراميل وتخزينها أو حتي التخلص من النفايات دفنها فى باطن الأرض .
وبنفس الطريقة يمكن نقل أجهزة الطرد المركزي ولكن من الصعب جدًا أو يكاد يكون مستحيلًا نقل قلب المفاعل أو المفاعل نفسه حيث أن ذلك يتطلب نقل الكثير من الإنشاءات وأجهزة الحماية والتشغيل.















