شروقان وغروبان كل 24 ساعة.. كيف يُؤثر القمر على طول اليوم؟

القمر جارنا الجميل

بنى البشر الكثير من الأساطير حول القمر ونشأته. بل إن بعض الشعوب حول العالم قد استخدمت القمر كتقويم وتنظيم لمواسم الحصاد وغيرها. وتعدى ذلك إذ نظم الكثير من الشعراء قصائد تتغنى بشاعريته وبهائه.

في السياق ذاته، يُقدر العلماء تأثير القمر المحوري في قابلية الأرض لاستضافة الحياة على سطحها وكذلك مواءمة الظروف مثل: “الطقس، والمناخ، والمد، والجذر” لدعم الحياة على الأرض.

وكان متوسط اليوم على سطح الأرض يقدر بحوالي 13 ساعة فقط منذ ملايين السنين. ومنذ ذلك الحين ومتوسط طول اليوم على الأرض يزداد وسيستمر في الزيادة بسبب التفاعل بين محيطاتنا وجارنا القمر.

قياس المسافة بين الأرض والقمر

وضعت رحلات أبوللو مجموعة من المرايا العاكسة على سطح القمر في أماكن محددة. إذ يمكن لوكالات الفضاء والهواة أيضًا تسليط ضوء ليزر من سطح الأرض لينعكس على تلك المرايا. وبحساب الزمن المستغرق بين الإرسال والاستقبال يمكن حساب بعد القمر الفعلي عن الأرض بدقة عالية.

في هذا السياق، أجرى العلماء الكثير من القياسات التي خلصت أن القمر يبتعد بمقدار 3.8 سم عن الأرض كل عام. قد يظن البعض أن تلك المسافة قصيرة لكنها ذات طبيعة تراكمية ومؤثرة حتى في طول اليوم على الأرض.

الأمر كله متعلق بالمد والجزر

المد والجذر يؤثران على الأرض والقمر
المد والجذر يؤثران على الأرض والقمر

 

يقول David Waltham أستاذ الجيوفيزياء بـRoyal Holloway, University of London: إن الأمر كله متعلق بالمد والجزر. وتتشكل موجات المد والجذر نتيجة تأثير جاذبية القمر على مياه المحيطات حول الكرة الأرضية.

في هذا السياق، يعد تحرك هذه الكتل المهولة من الماء حول الكوكب لها القدرة على إبطاء حركة دوران الأرض حول محورها ولو بقدر ضئيل. وحيث إن تأثير هذه الجاذبية متبادل بين القمر ومياه المحيط فإن سحب المد والجذر يكسب القمر زخمًا زاويا أو بمعنى آخر يزيد من نصف قطر دورانه حول الأرض.

ويمكن تصور تأثير هذا التباعد تراكميًا في ملايين السنين. فعلى سبيل المثال تزداد المسافة بين القمر والأرض بمقدار 3.8 متر كل 100 عام.

شرح الظاهرة بطريقة علمية أدق

في الأساس أثناء دوران الأرض تعمل جاذبية القمر التي تؤثر على المحيطات بإحداث مد وجزر مرتفع ومنخفض.

كما يمكن تصور المياه في المحيط كماء محبوس داخل بألون وقد قام أحدهم بشدة مما يؤدي إلى تمدد الماء فى اتجاه القمر بشكل بيضاوي. وبما أن الأرض تدور بسرعة أكبر من القمر فإن هذا يؤدى إلى أن مياه المحيطات تسحب في عكس اتجاه دوران الأرض مما يبطئ حركتها.

في الوقت ذاته تقوم المياه المتحركة نتيجة دوران الأرض حول محورها بسحب القمر للأمام؛ ما يؤدي إلى زيادة سرعته. وكما هو الحال في المقلاع فإنه إذا زادت السرعة يزيد نصف قطر الدوران أي أن القمر يبتعد عن الأرض في هذه الحالة.

نتيجة لهذا التبادل في الجاذبية بين القمر والأرض فإن القمر يبتعد عن الأرض وطول اليوم المتوسط على الأرض يزداد. إذ يعتقد العلماء في يوم ما نتيجة هذا التباعد فإن القمر سيفلت تمامًا من جاذبية الأرض.

نشأة القمر

يعتقد العلماء أن القمر قد تشكل في أول 50 مليون عامًا أو نحو ذلك بعد ولادة النظام الشمسي. إذ تصف النظرية الأكثر قبولًا لنشأة القمر أن الاصطدام بين الأرض في أطوارها الأولى وجسم آخر بحجم المريخ تقريبا أدى إلى انفصال قطعة من الأرض الوليدة والحطام.

هذا الحطام قد اندمج في ما نطلق عليه الآن القمر. ويؤيد هذه النظرية التحليلات الجيولوجية لمجموعات الصخور على الأرض والعينات المأخوذة من القمر.

في أطوار الأرض الأولى كانت الأرض تدور بوتيرة أسرع مما هي عليه الآن، إذ كان هناك شروقان وغروبان للشمس كل 24 ساعة. يقع القمر حاليًا على بعد 384.400 كيلومترًا.

لكن إحدى الدراسات الحديثة تشير إلى أنه منذ حوالي 3.2 مليار سنه كان القمر على بعد 270 ألف كيلومتر فقط من الأرض، أو حوالي 70٪ من مسافته الحالية.

تباعد القمر غير منتظم عبر الزمن

أثبتت دراسات حديثة، أن التراجع القمري بعد القمر عن الأرض سنويًا، لم يكن ثابتًا مع الوقت. ففي دراسة أجرتها Vanina López de Azarevich، عالمة الجيولوجيا في جامعة Salta الوطنية في الأرجنتين، إلى أنه منذ حوالي 550 إلى 625 مليون سنة، كان من الممكن أن يتراجع القمر بمقدار 7 سم سنويًا.

يقول Tom Eulenfeld أستاذ الفيزياء بجامعة University Jena والقائم على احدى تلك الدراسات: إن السرعة التي كان القمر يبتعد بها عن الأرض تغيرت بالتأكيد مع مرور الوقت، وسوف تتغير في المستقبل. ومع ذلك خلال معظم تاريخه كان القمر يتحرك بعيدًا بمعدل أبطأ بكثير مما هو عليه حاليًا.

في هذا السياق يشير Waltham أيضًا: “في الواقع نحن نعيش حاليًا في فترة معدل التراجع القمري مرتفعًا بها بشكل غير عادي. والقمر يبتعد عن الأرض منذ نشأته منذ ما يقدر بـ 4.5 مليار سنة. بحساب المسافة التي قطعها القمر منذ نشأته إلى وقتنا هذا بنفس سرعة تراجعه الحالي فإن الزمن سيكون 1.5 مليار سنة فقط لقطع نفس المسافة. لذلك يتضح أن سرعة ابتعاده كانت أبطأ بكثير في بعض النقاط في الماضي”.

وبشأن تفسير هذا قال Waltham: إن سحب المد والجزر في الوقت الحالي أكبر 3 مرات مما قد نتوقعه. قد يكون السبب بسبب حجم المحيط الأطلسي.

ويعتقد العلماء، أن القمر إذا استمر بهذه الوتيرة من التراجع فإنه سيفلت من جاذبية الأرض لتلتقطه الشمس ويندمج بها. لكن هذا لن يحدث إلا بعد مليارات السنين استنادًا لمعدلات التباعد القمرى المسجلة حاليًا.

مصادر

https://www.bbc.com/future/article/20230303-how-the-moon-is-making-days-longer-on-earth

الرابط المختصر :