تجربة جديدة.. تقرب البشرية من حلم التحكم في الجاذبية

التحكم في الجاذبية
التحكم في الجاذبية - مصدر الصورة scitechdaily.

على الرغم من تعاملنا معها بشكل يومي، تعتبر الجاذبية من أكثر قوي الطبيعة غموضًا. ويعد حلم التحكم في الجاذبية إحدي القوي الأربع الرئيسية في الكون وتعمل على مسافات شاسعة.

هل تحقق البشرية حلم التحكم في الجاذبية؟

تعد هي القوي الرابطة الأساسية للمجرات والكواكب في هذا الكون الفسيح. ومن المعروف بأن الجاذبية تختلف قيمتها من مكان إلى مكان في هذا الكون الفسيح. ويمكننا قياس قوى التجاذب وثقل المواد باستخدام القوانين الكلاسيكية كميكانيكا نيوتن. بينما يعرف آينشتاين، في نظريته النسبية، على أنها تغير في انحناء نسيج الكون الذي يعرف باسم الزمكان. وفى كل الأحوال ما زال العلماء يحاولون اكتشاف الجسيم الحامل للجاذبية، والذي يعرف بالجرافيتون. حيث لو تمكننا من إيجاده ومعرفة خواصه يمكننا فيما بعد إنشاء مجالات جاذبية صناعية أو السفر عبر النجوم باستخدام الثقوب الدودية. ويمكن رؤية ذلك وفهمه من فيلم للمخرج (كريستوفر نولان) والذي يعرف باسم (بين نجمي) أو Interstellar.

فيلم Interstellar
فيلم Interstellar

 موجات الجاذبية

تنبأ آينشتاين في نظريته النسبية بأن أي حدث يحدث في الكون سينتشر عنه موجات تؤثر على نسيج الكون كله فيما يعرف بموجات الجاذبية. يمكن تصور الأمر كما لو كان الكون مكونًا من نسيج مرن كشبكة صياد غزلها الزمان والمكان معًا. وعند حدوث حدث ما كانفجار نجم أو تصادم مجرة أو غيرها تهتز الشبكة مؤثرة على كل ما يحتويه من نجوم وكواكب. كما لو ألقيت حجرًا على صفحة ماء، تنتقل موجات الجاذبية كالموجة الناتجة من الاصطدام بسرعة الضوء في أرجاء الكون الفسيح.

تمكن مرصد موجات الجاذبية الأمريكي “ليغو” (LIGO) – وهو اختصار لمرصد موجات الجاذبية بالتداخل الليزري – المُخصص لرصد موجات الجاذبية، عام 2016 من رصد لأول مرة موجة جاذبية ناتجة عن تصادم ثقبين أسودين كتلة كل منها ثلاثون مرة ككتلة الشمس. بينما يقع التصادم على بعد مليار سنة ضوئية من كوكبنا تمكن المرصد من رصد الموجات التي غيرت أبعاد كوكبنا بصورة طفيفة؛ حيث اهتز الكوكب متأثرًا بموجات الجاذبية.

موجات الجاذبية

مرصد موجات الجاذبية

يتكون مرصد موجات الجاذبية من ذراعان مفرغان من الهواء ومتعامدان على بعضهما طول كل منهما 4 كيلومترات. وعند نقطة التقائهما تقع مرآة نصف عاكسة ومصدر لضوء الليزر القوي. تقوم المرآة نصف العاكسة بقسمة شعاع الضوء إلى قسمين متماثلين في الطور؛ حيث يسافر الضوء كل قسم في إحدى الأذرع في نفس الوقت. بينما يقابل كل ضوء مرآة في آخر النفق لينعكس في نفس مساره ليتداخل مع قسمه الآخر. عند عدم وجود موجات جاذبية يتداخل الضوء تداخل هدامًا بينما يتخلف طول الذراع قليلًا نتيجة تأثر الأرض بتذبذب الزمكان؛ ما يؤدي لتغير التداخل معطيًا دليلًا على موجات الجاذبية.

انتقال الطاقة بين موجات الجاذبية والضوء

اقترح Ralf Schützhold، الفيزيائي النظري في مركز Helmholtz-Zentrum Dresden-Rossendorf   (HZDR) بألمانيا، خطوةً جديدةً جريئة. حيث طوّر Schützhold مفهومًا لتجربة تتجاوز مجرد رصد موجات الجاذبية، لتتيح للباحثين التأثير عليها. هذا المقترح، والذي نشره Schützhold وفريقه في مجلة Physical Review Letters الشهيرة، قد يسهم أيضًا في توضيح ما إذا كانت الجاذبية تخضع لقواعد ميكانيكا الكم. وهو السؤال الذي لا يزال بدون إجابة في الفيزياء الحديثة.

التلاعب بموجات الجاذبية بواسطة الضوء

في تصريحاته عن التلاعب بموجات الجاذبية باستخدام الضوء يقول Schützhold: “تؤثر الجاذبية على كل شيء، بما في ذلك الضوء. ويحدث هذا التفاعل أيضًا عند التقاء موجات الجاذبية بموجات الضوء”. وتتلخص فكرة Schützhold في نقل حزم صغيرة من الطاقة من موجة ضوئية إلى موجة الجاذبية. في هذه العلمية، تنخفض طاقة الموجة الضوئية قليلًا، بينما تزداد طاقة موجة الجاذبية بنفس المقدار. وتتوافق الطاقة المنقولة مع واحد أو أكثر من الجرافيتونات.

يعلق Schützhold قائلًا: “سيؤدي ذلك إلى زيادة كثافة موجة الجاذبية قليلًا. بينما تفقد الموجات الضوئية نفس المقدار من الطاقة. ما يؤدي إلى تغيير طفيف في ترددها”. ويتابع Schützhold قائلًا: “يمكن أن يحدث العكس أيضًا. في هذه الحالة، تُطلق موجة الجاذبية حزمة طاقة إلى الموجة الضوئية. من الممكن قياس كلا التأثيرين، أي الانبعاث المحفز وامتصاص الجرافيتونات، وإن كان ذلك يتطلب جهدًا تجريبيًا كبيرًا”.

مقياس التداخل للكشف عن موجات الجاذبية

تجربة على نطاق هائل

حسب Schützhold متطلبات تلك التجربة: إذ يمكن نظريًا أن تنعكس نبضات الليزر في نطاق الطيف المرئي أو القريب من الأشعة تحت الحمراء ذهابًا وإيابًا بين مرآتين حتى مليون مرة. في جهاز يبلغ طوله كيلومتر واحد تقريبًا، سينتج عن ذلك مسار بصري بطول مليون كيلومتر تقريبًا. هذا المسار الهائل كافٍ لإجراء القياس المطلوب لتبادل الطاقة الناتج عن امتصاص وانبعاث الجرافيتونات عند التقاء الضوء بموجة جاذبية. ومع ذلك، فإن التغير في تردد الموجة الضوئية الناتج عن امتصاص أو إطلاق طاقة جرافيتون واحد أو أكثر عند تفاعله مع موجة الجاذبية ضئيل للغاية.  ولكن إذا تمكنا من صنع مقياس تداخل بدقة عالية، يمكن إثبات هذه التغيرات في التردد.

في هذه العملية، تتعرض موجتان ضوئيتان لتغيرات مختلفة في التردد، اعتمادًا على ما إذا كانتا تمتصان أو تصدران جرافيتونات. بعد هذا التفاعل، وأثناء مرورهما على طول المسار البصري، تتداخلان مرة أخرى مولِّدتين نمط تداخل. من هذا، يمكن استنتاج التغير الحاصل في التردد، وبالتالي انتقال الجرافيتونات.

نظرية قابلة للتطبيق

استكشاف الطبيعة الكمومية للجاذبية يقول Schützhold: “قد يستغرق الأمر عقودًا عديدة من الفكرة الأولية إلى التجربة”. ولكن ربما يحدث ذلك أسرع مما نتوقع، إذ يظهر مرصد ليغو، أوجه تشابه قوية بين المرصد والمرصد المقترح بواسطة Schützhold وفريقه. فقد يصبح من الممكن ليس فقط رصد موجات الجاذبية، بل أيضًا التحكم بها لأول مرة من خلال الانبعاث المحفز وامتصاص الجرافيتونات في مرصد ليغو القائم بالفعل.

وفقًا Schützhold، فإن نبضات الضوء التي تتشابك فوتوناتها، أي أنها متماثلة في الطول الموجي والطور وزمن التوليد، يمكن أن تزيد بشكل ملحوظ من حساسية جهاز التداخل.

ويردف Schützhold قائلًا: “حينها، يمكننا حتى استخلاص استنتاجات حول الحالة الكمية لحقل الجاذبية نفسه، ورغم أن هذا لن يكون دليلًا مباشرًا على وجود الجرافيتون المفترض، والذي يعد موضوع نقاش حاد بين الفيزيائيين، إلا أنه سيكون على الأقل مؤشرًا قويًا على وجوده”.

تعد تلك الدراسة النظرية مهمة جدًا للعلماء. ففي النهاية، إذا لم تظهر موجات الضوء تأثيرات التداخل المتوقعة عند تفاعلها مع موجات الجاذبية، فإن النظرية الحالية القائمة على الجرافيتونات ستُدحض. لذا فليس من المستغرب أن يحظى مفهوم Schützhold للتلاعب بالموجات الثقالية باهتمام كبير بين العلماء.

الرابط المختصر :