مجلة عالم التكنولوجيا
مجلة تكنولوجية شاملة

بماذا تدين الأرض للثقوب السوداء؟

0 36

اُلتقطت أول صورة لثقبٍ أسود لواحدٍ يقع وسط مجرة أخرى وكانت الصورة ضبابية ومعتمة، وبدت مشوشة للغاية، وكذلك حلقة الغاز الساخن المحيطة به، وكان رد فعل الجمهور جامدًا على الإطلاق على خلاف حالة الفرح العارمة التي انتابت علماء الفلك المعتادين على استخلاص العجائب الكونية من الخطوط في الرسم البياني، وبدت هذه الصورة بالنسبة لأي شخص على دراية بالثقوب السوداء أكثر من أفلام الفضاء الملحمية مثل كعكة مزينة باللهب.

ولا تزال هذه الصورة واحدةً من أكثر الإنجازات غير العادية في العلم الحديث، فهي بمثابة عرض لقدرات الجنس البشري على السفر عبر ملايين السنوات الضوئية، فمنذ وقتٍ ليس ببعيد لم يكن باستطاعة العلماء أن يؤكدوا بثقة كبيرة أن الثقوب السوداء موجودة، ولا يعلمون بوجود ثقوب عملاقة موجودة في مركز مجرتنا على الإطلاق.

وتعتبر الثقوب السوداء التي تشكلت من نوى النجوم الميتة من أكثر الظواهر غموضًا في الكون، وهي كثيفة للغاية وغير مرئية ولا يمكن لأي شيء -حتى الضوء- الهروب من جاذبيتها، ويمكن للنجوم المضيئة أن تنطفئ بأكملها إذا عبرت فقط حدود الثقب الأسود ومرت بنقطة اللاعودة.

وكان “ألبرت أينشتاين” تنبأ منذ أكثر من قرن، استنادًا إلى نظرياته المعنية بطبيعة الجاذبية، بأن مثل هذه الأشياء الغريبة يمكن أن توجد، لكنه اعتقد أن الفكرة بعيدة المنال، وفي عام1965  وبعد وفاته، نشر “بنروز”؛ أستاذ أكسفورد، ورقة توضح رياضيًا أن قوى الكون يمكن أن تنتج ثقوبًا سوداء بالفعل، وأن داخل أعماقها التي لا يمكن اختراقها يوجد شيء يسمى “التفرد”، وهي نقطة غامضة لا يعرفها أحد ولكن يمكن أن تصفها قوانين الفيزياء.

وفي حين أنه لا يُصدق وجود شيء من هذا القبيل، إلا أنه وبدون الثقوب السوداء فإن حركات النجوم البعيدة في مجرتنا لن تكون منطقية دائمًا، وكان “جينزل وجيز” أمضى سنوات عديدة في البحث وسط السحابة الكونية للغاز والغبار بين النجوم في قلب المجرة بواسطة أكبر تلسكوبات في العالم، واكتشف نجومًا تدور حول بقعة فارغة على ما يبدو بسرعات مذهلة وسط بيئة فوضوية لا يمكن أن تكون منطقية إلا في وجود ثقب أسود هائل، وكانت هذه المنطقة في مجرتنا المعروفة باسم Sagittarius A،  وتُنطق (ay-star)، والتي لها كتلة تعادل 4 ملايين مرة كتلة شمسنا، محشورة في فضاء أصغر من نظامنا الشمسي.

واكتشف علماء الفلك أيضًا ثقوبًا سوداء أخرى من خلال مراقبة المدارات المذهلة للنجوم غير المحظوظة من حولهم؛ حيث رأوا ثقوبًا سوداء في الوهج قادمًا من المادة وهي تغرق في الأعماق غير المرئية، وهي عملية شديدة الجمال بحيث تضيء الجسيمات بشكل جميل، وشعروا بها في تموجات نسيج الزمكان، وموجات الجاذبية التي تنتشر عبر الكون عندما يصطدم ثقبان أسودان، واتضح أن الثقوب السوداء موجودة في كل مكان، كما تنتشر وبأحجام مختلفة من خلال مركز معظم المجرات، وعلى ما يبدو أن بعضها كبير جدًا لدرجة أنه من الناحية النظرية لا ينبغي أن يكون موجودًا بالفعل.

ووجد علماء الفلك -في وقت سابق من هذا العام- أن أقرب ثقب أسود قريب من الأرض يبعد نحو 1000 سنة ضوئية، وبذلك؛ فهو الأقرب لعتبة بابنا تقريبًا من خلال المقاييس الكونية؛ بحيث يمكن رؤيته بالعين المجردة، وكان هذا التنوع في الاكتشافات مثيرًا للإعجاب بالنسبة إلى شيء اشتهر بعدم وجوده.

بالطبع هذا الثقب الأسود القريب لا يمثل تهديدًا على الأرض، وإذا كان هناك أي شيء آخر، فإننا نستفيد من وجود مثل هذه الثقوب، فكما تنفث الانفجارات النجمية التي تنتج الثقوب السوداء عناصر مثل الكربون والنيتروجين والأكسجين في الفضاء، فإن اصطدامات الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية تساعد في نشر العناصر الأثقل مثل الذهب والبلاتين، وهذه العناصر وبلا شك تشكل أرضنا وذواتنا.

ومن المؤكد أن مثل هذه الثقوب السوداء الهائلة تلعب دورًا مهمًا في تكوين النجوم داخل المجرات على وجه الخصوص، فهي التي تملي متى يتباطأ الإنتاج أو يتوقف تمامًا، وعن هذا، يوضح “كاليب شارف”؛ مدير مركز كولومبيا للأحياء الفلكية، في كتابه محركات الجاذبية قائلًا: “هذه الزاوية الخصبة من الكون يحكمها كل ما يدور حولها، بما في ذلك سلوك الثقب الأسود في مركز مجرتنا”، ويشير إلى كيفية تحكم الثقوب السوداء الفقاعية في المجرات والنجوم والحياة في الكون بأسره.

ومنذ أن أسرت الثقوب السوداء مخيلة الجمهور لأول مرة منذ عقود، اكتسبت سمعة معينة؛ حيث تم تصنيفها على أنها وحوش مدمرة، وأنها مصممة على التهام أي شيء يجرؤ على الاقتراب من عرينها الكوني، ولكن بدونها، سيكون الكون وكوكبنا أقل كثافة.

المصدر:

Theatlantic: What Earth Owes to Black Holes

الرابط المختصر :

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.