الابتكار بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا: رؤى وتحليلات خاصة بريادة الأعمال

الدكتور جون مولينز، الأستاذ المساعد باختصاص قطاع الإدارة في كلية لندن للأعمال
الدكتور جون مولينز، الأستاذ المساعد باختصاص قطاع الإدارة في كلية لندن للأعمال

قدمت مؤخرًا محاضرة عبر منصة تيدكس بعنوان 6 نصائح لتكون رائد أعمال ناجح، تناولت خلالها هذه النصائح الست، مستعرضًا أمثلة وقصصًا مُلهمة لمبتكرين مثل ليندا وينمان وأرنولد كوريا وجون ثورن وإيلون ماسك.

وتمحور الموضوع الرئيسي للمحاضرة حول التفكير غير التقليدي، وهو أسلوب تفكير يتخطى ما تقدمه كليات إدارة الأعمال التقليدية والمفاهيم السائدة في المؤسسات التقليدية. ويمكن تمييز أنماط هذا التفكير من خلال مجموعة السلوكيات والعادات والتوجهات الذهنية التي تحدد طريقة التعامل مع الفرص واستثمارها.

تعقيدات بيئة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

يشكل تطبيق هذه الأفكار في بيئة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحدياً ملحوظاً، لكنه يفتح أيضاً آفاقاً كبيرةً من الفرص. وعلى الرغم من تصوير المنطقة في كثير من الأحيان كوحدة اقتصادية أو ثقافية واحدة، إلا أن الواقع يُظهر تعقيداً أكبر بكثير. فدول الخليج العربي. المدعومة بثرواتها السيادية واستثماراتها الاستراتيجية في قطاع التكنولوجيا، تختلف بوضوح عن الاقتصادات الأصغر في شمال أفريقيا، التي تواجه تحديات هيكلية وإدارية مستمرة. وبين هذين الطرفين.

تقع منطقة شرق المتوسط وبقية دول الشرق الأوسط، حيث يترك عدم الاستقرار السياسي والانقسامات الاجتماعية أثره المباشر على جميع مجالات الابتكار والأعمال. ويؤثر هذا التنوع بشكل عميق على كيفية تحويل الرؤى العالمية في مجال ريادة الأعمال إلى ممارسات محلية ناجحة.

اعتماد التكنولوجيا والتحديات التنظيمية في المنطقة

تمثل سرعة اعتماد التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب التناقضات المصاحبة لها. أحد أبرز ملامح هذه المنطقة. فقد نجحت العديد من الدول في تخطي التقنيات القديمة، واعتماد الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول ومنصات التجارة الإلكترونية والخدمات السحابية بوتيرة أسرع من بعض نظرائها من الدول الغربية. وفي مدن مثل دبي والرياض، تحوّلت قطاعات بأكملها خلال فترة زمنية قصيرة، في حين تبذل الحكومات قصارى جهدها من أجل تصميم أُطر تنظيمية تواكب هذا الزخم. وأسفر ذلك عن واقع مزدوج، يتمثل بتوفر فرص غير مسبوقة، إلى جانب حالة عدم اليقين التنظيمي والمشاكل المتعلقة بالبنية التحتية. ونتيجة لذلك، بات لزاماً على أي مبادرة، سواء كانت شركة ناشئة أو برنامجاً تعليمياً أو ابتكاراً اجتماعياً، أن تتعامل مع هذه التوترات بحذر وتخطيط دقيق.

الديناميكيات الاجتماعية والثقافية

إن التكنولوجيا ليست العامل الوحيد في نجاح الابتكار؛ فالعوامل الاجتماعية والثقافية هي من تحدد مدى تقبله وانتشاره. وفي بعض المجتمعات، قد تتعارض روح المخاطرة والطموح الريادي مع التوقعات الاجتماعية الراسخة أو المسارات الوظيفية التقليدية أو الالتزامات العائلية. كما تحظى الشبكات المتعلقة بالثقة والسمعة والعلاقات الشخصية بأهمية مساوية، إن لم تكن أعظم، من قوة خطة الأعمال أو مدى تطور التكنولوجيا المستخدمة. ويمكن أن يؤدي تجاهل هذه الحقائق إلى فشل مشاريع كانت تبدو واعدة ومبتكرة. وبناءً على ذلك، فإن السلوك البشري والأعراف الاجتماعية ليست قضايا هامشية، بل هي عوامل أساسية لتحقيق النجاح.

التعليم وتطوير المهارات

يمثل التعليم وتطوير المهارات أحد المجالات المؤثرة في المنطقة، حيث تعاني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من تباين بين المناهج التقليدية والمهارات التي يتطلبها الاقتصاد سريع التغير. وقد أدى ذلك إلى انتشار المعسكرات التدريبية في مجالات البرمجة ومحو الأمية الرقمية والتدريب المهني، غير أن فرص الوصول إليها ما زالت متفاوتة. ويشمل التحدي تعليم المهارات الضرورية، إلى جانب تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع والقدرة على التكيف، والتي تتيح بدورها للأفراد إمكانية اغتنام الفرص الجديدة. ومن دون هذا النهج الشامل، قد تقتصر المبادرات القائمة على التكنولوجيا على إنتاج قوة عاملة قادرة على التنفيذ، لكنها تفتقر إلى القدرة على الابتكار.

السياسات والحوكمة والهيكليات الداعمة

تلعب السياسات والحوكمة دوراً حاسماً في دعم هذه المنظومة، ويمكن للدول تحقيق الازدهار عند العمل بشكل استباقي على مواكبة اللوائح التنظيمية، وتقديم الحوافز وتطوير البنية التحتية بما يتناسب مع القطاعات الناشئة. وعلى سبيل المثال، طورت دولة الإمارات مناطق حرة وسياسات مشجعة على الاستثمار بهدف استقطاب المواهب ورؤوس الأموال، بينما ركزت مصر على مبادرات التحول الرقمي التي تدعم ريادة الأعمال المحلية. وفي المقابل، فإن الدول التي تتسم ببطء الأطر التنظيمية أو تطبيقها غير المنتظم غالباً ما تشهد ضياع الأفكار الواعدة قبل أن تتاح لها فرصة التوسع. ومن هذا المنطلق، فإن الابتكار لا ينمو تلقائياً، بل يحتاج إلى هيكليات داعمة وسياسات متماسكة من أجل تحويل الإمكانات إلى نتائج ملموسة.

المشاركة المجتمعية والبُعد الإنساني

يتجاوز البُعد الإنساني حدود السياسة والبنية التحتية، إذ تلعب المشاركة المجتمعية وبناء الثقة دوراً حيوياً في نجاح أي مشروع. وغالباً ما تتعثّر المشاريع التي لا تعتمد على المشاركة المحلية، أو يتم فرضها من جهة عليا، مهما بلغت الموارد المخصصة لها. ويستمر الترابط الاجتماعي والعلاقات الشخصية في لعب دور أساسي في بناء الاقتصاد والحياة المدنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يجعل مشاركة الأشخاص المعنيين بالمشروع، واحترام الخبرات المحلية، والاعتماد على العمل الميداني، من الأسباب الرئيسية لنجاح أيّ مبادرة. كما تتوازى قيمة التواضع والفضول مع قيمة رأس المال والتقنيات الحديثة، خاصة عند البدء في أي مشروع في المنطقة.

تجسيد أنماط التفكير الريادية في الواقع العملي

اتضح لنا أثناء مناقشة أنماط التفكير الست التي شكلت محور حديثي على منصة تيدكس، مدى صلتها العملية بالواقع الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويتجلى النمط الأول، الذي يركز على فكرة “نعم نستطيع”، بوضوح في تجربة أرنولد كوريا، الذي أكد أهمية القدرة على التكيف. وقد نجح كوريا مراراً في إعادة ابتكار أعماله، مستجيباً لتحديات كانت تقع خارج نطاق خبرته الأساسية، مما يدل على أن النجاح في ريادة الأعمال في سوق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سريع التغيّر يتطلب غالباً القدرة على تقبّل أي تغيير ومواصلة التعلم أثناء العمل.

أما النمط الثاني، فيقوم على التذكير المتواصل بأهمية إيجاد الحلول من خلال تأمل التحديات المحلية، تماماً كما ركز جون ثورن على ابتكار ملقط جراحي لا يلتصق بالأنسجة، ثم وجد أن الحاجة الأكبر كانت في مجال جراحة الأعصاب، فحوّل تركيزه إليه. وعلى نفس النهج، يجب على رواد الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التركيز على المشكلات الطارئة والمحددة بحسب السياق المحلي، بدلاً من محاولة نقل منتجات جاهزة من الخارج. ويوضح المثال الناجح لمؤسسي نايكي، فيليب نايت وبيل باورمان، في تصميمهما لأحذية الجري، أن فهم السوق بدقة والتركيز على شريحة محددة يمكن أن يفتح الطريق نحو أثر عالمي.

ويُبرِز مثال إيلون ماسك وشركة تيسلا في النهاية مدى أهمية تأمين الموارد لتمكين التجريب وتحقيق التوسع. ويكتسب هذا المبدأ أهمية خاصة في المناطق التي تعاني من تفاوت فرص الوصول إلى رأس المال، حيث يلعب التمويل المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية وهياكل التمويل البديلة دوراً هاماً في دعم مشاريع ريادة الأعمال.

إعادة النظر في مقاييس النجاح

تكشف هذه الديناميكيات عن دلالة مهمة، وهي أن مقاييس النجاح الشائعة مثل الأرباح أو الانتشار في السوق أو التطور التكنولوجي قد لا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة. ففي سياق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبرز عناصر أخرى لا تقل أهمية، مثل الاستدامة والقبول الاجتماعي والقدرة على التكيف. فالشركة الناشئة التي تنمو بسرعة كبيرة قد لا يُكتب لها الاستمرار طويلاً إذا افتقدت ثقة مجتمعها الأساسي. وفي المقابل، قد يحقق المشروع الذي يسير بخطوات مدروسة، ويتعلم ويستفيد من الحوار مع الجهات الفاعلة المحلية، تأثيراً أكبر على المدى الطويل. ويتطلب فهم هذا الأمر النظر إلى الابتكار على أنه عملية قائمة على بناء العلاقات، وليس مجرد صفقة تجارية.

الوعي بأهمية التنوع والتعقيد

تطرح منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحديات جوهرية أمام الافتراضات التي ترى إمكانية توسيع نطاق التجارب وتطبيقها بصورة متماثلة. فالتجربة الناجحة في دولة أو قطاع ما لا يمكن افتراض نجاحها في دولة أخرى، لأن العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية قد تختلف جذرياً من سياق إلى آخر، وحتى المجتمعات المتقاربة جغرافياً قد تستجيب بطرق مختلفة تماماً لتدخلات مماثلة. وإن مراعاة هذه الاختلافات ليست مسألة حذر، بل هي جوهر الرؤية الاستراتيجية، إذ يجب على أي خبير أو صانع سياسات يسعى إلى إحداث تأثير في جميع أنحاء المنطقة أن يتقبل التعقيد بدلاً من تبسيطه.

أهمية انسجام الأفكار مع الواقع

إن الخلاصة تكمن في أن للأفكار والسياسات والتكنولوجيا دوراً مؤثراً، غير أنها لا تكفي بمفردها لتحقيق التغيير. فالعنصر البشري هو الذي يتولى تنفيذ هذه التحولات، ويكيّفها مع الواقع، ويخوض تجربة العيش في ظلها. وبناءً على ذلك، فإن تفعيل مشاركة المجتمعات وفهم المتغيرات الاجتماعية وبناء الثقة ليست اعتبارات ثانوية، بل هي الحد الفاصل بين المبادرات سريعة الزوال وتلك التي تُحدث أثراً طويل الأمد. ويجب على المبتكرين فهم ضرورة تبني الأفكار التي تنسجم مع الواقع لضمان النجاح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذ يفقد أي ابتكار أهميته دون هذا الانسجام، مهما كان واعداً.
تزخر هذه المنطقة بفرص استثنائية، غير أنّها لا تكافئ سوى أولئك الذين يتحلّون بالتأمل والتواضع والقدرة على التكيف، ومن يفترض أن الحلول العالمية قابلة للتطبيق ببساطة، سيكتشف سريعاً حدود هذا الوهم. فالنجاح ليس في استنساخ التجارب، بل في فهم الفروق الدقيقة، ومراعاة المعارف المحلية، وتحويل الأفكار الإبداعية إلى قيمة ملموسة. إن هذا المشهد المفعم بالتعقيد والحيوية يوفر بيئة مثالية لاختبار هذه الأفكار الريادية وصقلها وتطبيقها.

بقلم/ الدكتور جون مولينز،

الأستاذ المساعد باختصاص قطاع الإدارة في كلية لندن للأعمال

الرابط المختصر :